المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لماذا ندعو إلى كفالة الداعية



أحمد علي
03-06-2014, 05:45 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
لا شك ولا ريب أنه لا قِيام للدِّين إلا ببذل وعطاء وتضحية مِمَّن اصطفاهُم الله لحمله، ولولاهُم بعد الله الكريم ما انتشر هذا الدينُ، وما كان له سُمعةً ولا قوة كما هو عليه الآن، بل إلى يوم الدين.
وإنَّ مِمَّن تكفل بنشره وإيصاله إلى الناس أجمعين أقوامٌ يُعرفون باسم الدعاة إلى الله، بذلوا الغالي والنفيس من الأعمار والأوقات والأموال مِن أجل تحقيق هذا المقصِد الجليل.
ولا شك أن الدينَ ما قام وانتشر بين العالَمِين إلا على أكتاف هؤلاء الصادقين، وبذلهم وجُهدِهم، بعد توفيق الله الحكيم.
وهؤلاء الدعاة بشر مثلنا، ولكنهم سبقونا وتفوقوا علينا بحمل أمانة نشر هذا الدين، وهو اصطفاء من الله الحكيم لِمَن شاء أن يَصطفِيه لهذا المنصب الجليل.
فمَن وفقه الله وجعله داعية إليه فقد وُفِّق لخير عظيم، به الفوز والنجاة في الدَّاريْن. وهو خير طريق وأسمى وأجل وأكرم عمل شُرِّف بالقيام به الأنبياء والرسل، وعلى رأسِهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
ولو نقلتُ وسردتُ فضائل هذا العمل لطال بنا المقامُ.
وهناك بحث نفيس ورسالة علمية اسمها/ الدعوة إلى الله، فضلها وثمارُها)) رسالة قضى المؤلف في تأليفها ما يُقارب 5سنوات تقريبا، ذَكر فيها فضل الدعوة والدعاة، والأجر العظيم من الكتاب والسُّنة لِمَن وفقه الله لهذا العمل الجليل، وأهميتها وثمارها الدنيوية والأُخروِية. يسَّر اللهُ طبعَه ونشره قريبا.
ولكن ما أُريد بيانه وتوضيحه والتفصيلَ فيه هو: أن الداعيةَ بشرٌ مثلَنا، يأكُلُ كما نأكُلُ ويشربُ كما نشربُ، ويَحتاج إلى ما نحتاجُ إليه من ضروريات الحياة وقوامها، كالطعام والشراب والمال والعلاج واللباس...إلخ، ومتى تعطلت هذه الضروريات في حياته لِفقرٍ أو حاجة تعطلت دعوتُه فتعطل نشرُ الدِّين بينَ العالَمِين، ولا شك أن المال هو قَوام الحياة وعصَبُها، بل إن للمال منزلةً عظيمة وكبيرة ليست في الإسلام فحسب، بل في كل الديانات والعصور والمجتمعات، إذ هو مِحوَر النشاط في التعامل بين الأُمم والشعوب، ولهذا جعله الإسلام أحدَ الضرورِيَّات الخمس التي أمَرَ بالمُحافظة عليها.
ولا شك أن المال يُعَد أعظمَ زادٍ للداعيةِ في نَشرِ العلم والهِداية والدِّين، ومتى فُقِدَ تَعطَّلَت الدعوةُ على قدْرِ فَقْدِه.
فَمَن كان صادِقا في نُصرة الدين فإنه سيُولِي هذا الجانب اهتماما عظيما، لأن القيام به يُعَد قياما للدِّين، وإهمالَه يُعَد إهمالا لهذا الجانب بحَسَبِه.
كثيرٌ مِن المشايخ وأصحاب الأموال لا تَرَى اهتماماتُهم إلا في جانب واحِدا غالبا وهو جانبُ مِلءِ البُطون، دون أدنى التِفات إلى مسألة مِلْءِ القلوب، فتراهم يَحرِصون إذا سمِعوا بحادثة أو نَكبةٍ في بلد ما إلا وسارعوا إلى تقديم يد العون، وهذا خير ولا شك ولكن أين جانبُ الإهتمام بِمَن يُحْيون القلوبَ بالإيمان والهُدى والنورِ المُبِين؟؟
كثيرٌ مِن الدعاة فُقراء ومَدْيونُون لربما لا يَجِدون غالبا قوتَ يومِهم فضلا عن شهرِهم، يَباتون الليالي الطوالَ طاوُون من الجوع على بُطونِهم، إن أصبَحوا علاهُم ذُلُّ الدُّيون، وإن أمْسَوا علاهُم همُّها وغَمُّها، مِن شِدَّتها باتوا في الليل ساهِرين، وفي النهار حائِرين تائِهين، يَمشي أحدُهُم في طريقِه لا يَدري هو في أرض أم على سماء مِن شِدة الهُموم والغموم، وكاد أحدُهم أن يَفقِد حياتَه يوم قطَع طريقا سريعا ولم يَلتفِت لِانشِغال عقلِه ببَطنِه وجوعِه وأهله، بل قد سُجِن أحدُهم وأُهِين بسبب ذلك، وإن وُجِد مَن يُعِين فبِشَيءٍ يسير لا يكاد يكفي شراء وجبَتَيْن في اليوم الواحد، ولقد حضرتُ عند داعية يُكَلَّف بالتحفيظ في مكان بعيد عن بيتِه ويُعطَى راتبا قدرُه مائة ريال سعودي في الشهر فقط!! يمرضُ أولادُه الأيام والليالي بل والشهور، والله لا يجد قيمة علاج ولده، وإلا استَدان وأراق ماء وجهه، فمِنهُم من يُعطِيه ومنهم من يَمتَنِع، وتَتراكمُ عليه الديونُ حتى تُودِي به إلى الذلِّ والإهانة، وغالبا إلى السجون.
ولولا احتسابهُمُ الأجر من الله ما بلغوا الرسالة ولا أدُّوا الأمانة.
أفلا يَستحِق هؤلاء شيئا من المَعونة والخير كما يُسعَى ذلك للغير؟؟! وأيُّهُما أعظم في البذلِ والعطاء: من منافِعُه مُتَعَدِّيَة أم مَن مَنافِعُه قاصِرَة؟ ولو تَساوى شخصان في الفقر فأيُّهما يُبدَأُ بالعطاء: مَن عَمَّ نَفعُه أم مَن قَصُر؟ وأيُّهما أولى بالعطاء والاهتمام: مَن إِعانَتُه تُعَد قِياما ونصرةً للدِّين أم مَن ليس له اهتمامٌ بالدِّين لا مِن قريبٍ ولا مِن بَعيد؟ وأيُّهما أَوْلى في الصَّدقةِ في نَفْعِها ونَمائِها وجَرَيانِ أَجْرِها في الدَّارَيْن: ما عَمَّ نفعُها وجَرَى ثَوابُها، أم ما قَصُر نَفعُها وانقطَعَ أجرُها؟ أَتركُ الجواب لأهلِ العِلم مِن أهل الخير فَهُم أَدْرى بالجواب مِن غيرِهم.
وكَم مِن داعية تَعطَّلَت دَعوتُه وقُطِع عِلمُه بسبب فقرِه، فاضطَرَّ اضطِرارا يوم أُهمِل جانِبُه أن يَبْحَثَ عن لُقمةِ عَيشِه ولو أدَّى ذلك إلى ضياع عِلمِه ودعوتِه ودينِه.
ولقد رأيتُ داعية كان إذا خطب ووعظ أبكى القلوبَ وأَجْرَى العُيونَ بالدموع، رأيتُه يعملُ في مَطعم في غسيل صحونٍ وحِسابِ طَعام بعد أن كان يَرتقِي المَنابِر على رُؤُوسِ الناس!! والسبب: الفقرُ والديونُ والحاجة وعدَمُ وُجود مَن يُعِين من أهل الخير.
وكم وكم من الدُّعاة المُؤثِّرين تَركوا هذا الجانب العظيم بسببِ ما ذُكِر.
ألا يَستحِقُّ هؤلاء البحثَ عنهُم وإعانتَهُم؟ خاصة وأنهم يقومونَ بِنُصرةِ دينٍ وإِحياءِ سُنَّةِ سيِّدِ الأَوَّلينَ والآخِرينَ صلى الله عليه وسلم؟!! تُصرَفُ السياراتُ والأموالُ الطائِلةُ في مُسابقاتٍ رمضانيةٍ وتُرسلُ وبِكُلفَةٍ إلى الفائِزينَ، ومنافِعُها قليلةٌ، لو بُحِثَ عن الدُّعاةِ الفُقراءِ وأُعطُوا جُزءًا من هذه الأموال المَصْروفَةِ – لا كُلَّها – لكان في هذا الخيرُ الكثير لمُحِبِّي مُحِيِي سُنَّةِ النبيِّ الصادِقِ الأمين صلى الله عليه وسلمّ!!
كم يَصرِف بعضُ الصالحينَ من المَيْسورين – هداهُم الله – على الكمالِيَّات في حياتِهِم مِن تَغْيِيرِ أثاثٍ وتَجْديدِ سيارة كل سنَةٍ تقريبا، بل وشراءِ ألعابٍ لأولادِهِم بِمبالِغَ كثيرَةٍ، لو خَصَصوا جُزْءًا يسيرًا مِن هذهِ الأموالِ لكفالةِ داعِيَةٍ يكونُ لهم في ذلك أجْرُ الصدقةِ الجاريَةِ، أما كان ذلك أَوْلى لهم وأفضلُ وأحسنُ؟!!
كثيرٌ من مشاريعِ الخَيِّرينَ لا تَجِدها غالبا إلا في كفالةِ يتيمٍ وبِناءِ مسجِدٍ، وهذا خيرٌ، ولكن لا تكادُ تَجِد مشروعَ كفالةِ داعِيَة وإِكْفائِهِ إلا نادِرا لو وُجِدَ!!
وإِن وُجِدَ فبِشَيْءٍ يسير لا يَكادُ يكْفِي حياتَهُ اليوميةَ.
تَرَى المَساجِدَ تُبْنَى يومِيًّا ويُنفَقُ عليها المَبالِغُ الكثيرةُ، ويُطلبُ مِن داعِيةٍ إِقامَةُ الخيرِ فيها، مِن تَحفيظٍ وخِطابَةٍ وإِمامَةٍ وتَعْليمٍ ودُروسٍ ومواعِظَ وخواطِرَ، كلُّ هذا يَحتاجُ إلى تَفرُّغٍ كامِلٍ، يُعْطَى الداعيةُ مُقابِلَ ذلك شيئا رمزِيا – كما يُعطَى لأحَدِ أولادِنا الصغارِ – لا يَكادُ يَكفيهِ عشَرَةَ أيامٍ من الشهر فقط، مِمّا يَضطرُّهُ إلى الاسْتِدانَةِ، أو إهمالُ جانِبِ المسجد والتعليمِ للبحثِ عن لُقمة العيْشِ، وكم تعطلت من مساجد وأُهمِلت وهذا أهمُّ أحَدِ أسبابِها!! والغريبُ مع قُدرَةِ فاعِلِي الخيرِ على الإعانةِ وسدِّ الحاجَةِ!!
جلسَ إِمامُ مسجدٍ يوما لإِلقاء درس في مسجدِه فأخطأ خطأً فاحِشا في العقيدة، وبعد انصرافِ الناس سألتُه عن ذلك، فرد عليَّ: حُقوقُ الناسِ من الديون أنساني ما قُلتُ، بل والله أحايينَ كثيرةٍ يُلْقِي الدروسَ لا يَعقِلُ ما يقولُ مِن شدةِ الهُمومِ والغُمومِ، بل أحدُ الدُّعاةِ أُهينَ يوما أمامَ المَلَإِ لِمُطالبَةِ أَحَدِهِم بِدَيْنٍ أَقرضَهُ!!
وكم من مساجد مررتُ عليها خَوَت على عُروشِها إلا من قليل من المُصلين ، كانت بالأمس القريب منارا من منارات العلم بسبب الدعاة الذين كانوا فيها، ولكنهم انصرفوا عنها بسبب ما ذَكَرنا.
أَفلا يَستَحِقُّ هؤلاء المَنكوبون من الدُّعاةِ الصادِقين المُؤَثِّرين أن نلتَفِت ولو أدنَى التِفاتٍ لهم لإخراجِهِم بعد الله من هذا البلاء العظيمِ؟!!
أخي الكريم: أطرحُ عليك سؤالا – ولستُ مُحاسبا المُحاسِبُ هو اللهُ العظيمُ - : أسألُكَ بالله كَم تُنفِق يوميا في سبيلِ مَلَذّاتِكَ وشهواتِكَ ومُباحاتِكَ، وكَم تُنفِق لا أقولُ يوميا ولا شهريا بل سنويا في سبيل نُصرةِ دينِكَ؟! أترُكُ الجوابَ لِمُحاسبَةِ نَفسِكَ.
لو كُفِلَ هؤلاء الدُّعاةُ بالشيءِ الطيبِ الكافِي والله أقولُها جازِما ويقينا: لرأيتَ السُّنَةَ عاليةً خَفَّاقَةً تُرَفرِفُ في العالَمِينَ.
وما أعظم ما قام به أحدُ الخيِّرينَ – وهو توفيق مِن الله – قَضَى لأحدِ الدُّعاةِ دُيونَه كامِلَةً، ولم يكتفِ بهذا خشيةَ أن تعود الدُّيونُ مرةً أُخرَى، فاشترى سيارة أُجرةٍ لِصالحِ المسجدِ الذي فيه الداعيةُ، وجعل دخلَها اليومِيَّ لصالِحِ الداعيَةِ. وآخرُ يَبنِي مسجدا ويجعَلُ مُلحقا من الدكاكين أُجِّرت وجُعِلت أُجرَتُها كفالةً لصالحِ الداعيَةِ.
فَسُدَّت حَوائِجُهُم وَكُفِيَت مَؤُونَتُهُم وقُضِيَت دُيونُهُم وهَدَأَتْ نفوسُهُم وارتاحَت أفئِدَتُهُم وسُرَّت قُلوبُهُم وأُعتِقُوا مِن رِقِّ الدَّيْنِ والذُّل والهوانِ، والرسولُ صلى الله عليه وسلم يقول: أحبُّ الأعمال إلى الله : سُرورٌ يُدخِلُه على مُسلمٍ، أو يَقضِيَ عنهُ دينًا،... إلى:ولأَن أمشِيَ مع أخٍ حتى تُقْضى حاجَتُه أحب إليَّ مِن أَن أعتكِفَ في هذا المسجدِ شهرًا)) فقَضاءُ حاجَةِ مُسلمٍ في نظرِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أعظمُ مِن الاعتِكافِ في مسجده شهرا كاملا، مع أن الصلاةَ في مسجده تُساوي ألف صلاةٍ في غيرِهِ، ومع ذلك قضاءُ الحاجةِ أعظم من ذلك!!
وإذا كان هذا في عُموم المُسلمين ولو قَصُرَت منافِعُهُم، فما الظنُّ بأعلى المُسلمين بل والمُؤمِنين أجرا وخيرا ونفعا مِمَّن تعدَّت منافِعُهم وهمُ الدعاة إلى الله تعالى؟!!
يا إخوتاه! الدعاةُ لا يُريدونَ غِنًى ولا ثراءً، الدُّعاةُ يُريدون الكفايةَ فقط لِتفرُّغِهِم لهذا الخَطْب الجليل العظيمِ.
فأيُّهما أوْلى بالإعانةِ: مَن فَقُرَ بطنُه فضاعت عليه دُنياه، أم مَن فَقُرَ عليه قلبُه فضاعت عليه دُنياه وآخِرَتُه؟ وأيُّهُا أعظمُ: حياةُ القلوبِ أم حياةُ البطونِ؟ وأيُّهُما أَوْلى بالإعانةِ: مَن في إعانتِهِم سعادةُ الناسِ في الدَّارَيْنِ، أم مَنْ إذا أُعِينَ ذهبَ ما أكلَهُ في الحُشِّ، ما استفادت إلا بطنُه؟!
وهناك بحث أسماه مُؤلِّفُه/كفالة الداعية وأهميتُه في الشريعة الإسلامية)) يسر الله إتمامه وطبعه ونشره.
ولعلي أنقل لك شيئا من فوائد هذا البحث تُدرِك به المَقصودَ، قال المؤُلِّف في فضل الصدقة على طالب العلم الداعية وأهميتُها وخيرُها ومنافعُها:
أضِف إلى ذلك: أن كل ما مَرَّ مِن خير مِن فضائل الصدقة على مَن قَصُرَ نَفعُه كفقير ومسكين، أما لو تَصدَّق على طالب علمٍ فقير قد أوقَفَ نفسَه للعلم والدعوة ونَفْعِ الغير، فلا شك أن الخير العظيم يعودُ على المُتصدِّق بالدرجة الأُولى قبل غيرِه،
فهو الذي أعان طالبَ العِلم على العِلم والدعوةِ، وصارت صدقةً جارية إلى يوم القيامة ولولا اللهُ تعالى ثم طالبُ العلم الذي نَمَّى صدقتَك وجعلها جاريةً مُستمِرٌ نفعُها على قلوبِ المسلمين ما كانت جاريةً ولا مُستمِرٌ نَفعُها.
فطالب العلمِ أشدُّ حِفظا لصدقتِكَ مِن أي فقيرٍ أو مسكين ، يأكلُها وتذهبُ في الخلاءِ، أو يَستعمِلُها أحيانا في الحرام!!...
طالبُ العلم الفقير يُنَمِّي صدقتَكَ ويحفظها ويصونُها من الضياع، ويَجتهدُ أن يجعلها جارية مُستمراً نفعُها لأكبرِ عدد من المسلمينَ، فهو المُتفضِّلُ عليك أيها المُتصدِّقُ بجَعلِ مالِك المُتَصدَّقِ به يعودُ نَفعُه عليك في الدنيا والآخرة.
كلُّ ما سبق ما ذكَرْناه إلا لِنُبَيِّن للغَنيِّ أنه ينبغي عليه أن يَستشعِر ما مضى حتى لا يَتفضلَ ويَمُنَّ بصدقتِه على الفقراء والمساكين.
ـــ ينبغي على المُتَصدِّقِ أن يَستصْغِرَ ما أنفق ولو كان في نظَرِه عظيما، حتى لا يقع في العُجبِ فَيهلَك.
قالوا: إن الطاعة كلَّما استُصْغِرَت عَظُمَت عند الله تعالى.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يَستعيذُ بالله من العُجْبِ.
جاء سائلٌ إلى الإمام الشافعيِّ ـــ والسائل بَقَّال يَبيعُ البقلَ ــــ يَسألُه الإعانة على الزواج فأعطاه الإمام الشافعيُّ ثلاثين دينارا. فقال أحدُ تلاميذ الشافعي: يَكفيهِ عشرُ دراهم. فقال الإمامُ الشافعي: ويحكَ، وما يصنعُ بثلاثين ـــ تَصْغيرٌ للنفقةِ لا إعجابا بها ـــ
أفِي النكاحِ أم التجهيز أم الوليمةِ.
فمَنِ استصغرَ ما يُنفِقُ ولو عَظُمَ كان أرجَى في قَبولِ الله تعالى لصدَقَتِه.
ـ والصدقةُ على طالبَ العلم مَن أجَلِّ وأعظم وأفضلِ الصدقات والأعمالِ الصالحات، للحاجة الماسةِ إليه لإِحياءِ العِلم الدينِ والسُّنَن، ولولاهُ بعدَ الله تعالى ما قام هذا الدينُ وما عُرِفَ الحلالُ مِن الحرام، فطالِبُ العلمِ في أفضل وأجَلِّ وأعظم الطاعات والواجبات والقُرُبات، فَلِتَفَرُّغِهِ لهذه العبادةِ الجليلةِ ـــ العِلم والتعلِيم ـــ
وهو عملُ ووظيفةُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، { أعظم الأعمال والعبادات وأجلُّها عندَ الله تعالى } وقد قال صلى الله عليه وسلم: العبادة في الهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إلَيَّ )) فعِلمُه وتَعْلِيمُه مِن أعظم وأزكَى العباداتِ.
فَلِتَفَرُّغِه لِتَعليمِ الناس وإحياءِ قُلوبِهِم والحرصِ عليهم ، وتَحذيرِهم مِن مواطن الشر والفساد في الدَّارَيْن، يُعَدُّ هو المُتَفَضِّلُ عليهم، والمُتَفَرِّغ مِن أجلِهِم، والعامِل في كل أوقاتِه لمَصالِحِهم في معاشِهِم وأرزاقِهم، بتَعْلِيمِهم الحلال وتَجْنِيبِهم الحرام، فهو وِقايَة لهم بإذن الله تعالى من عذاب الدارَيْن لَوِ اتَّبَعوه، قال تعالى: ( واتبعُوه لعلكم تَهْتَدون)
وهو صَمَّام أمانٍ لهم لو أطاعُوه، فهو قد شَغَلَ وَقْتَه لأجلِهِم لا لأجلِهِ وحدَه،
يَحمِلُ هُمومَهُم وحَريص عليهِم، ويَعملُ الليلَ والنهار في العِلم والدعوةِ مِن أجلِ سَعادتهم في الدارَيْن.
كان بإِمكانِه أن يَسْعَى للدنيا كما سَعَوا وأن يُحَصِّل ما حَصَّلوا، وأن يَسْعى لِنَجاة نَفسِه ولو هلَكَ الجميع، ولكنه أوقف نفسَه لله تعالى ثم لأجلِهِم، لأجلِ إحياء قُلوبِهم قبل أبدانِهم، ويُحِب لهم أن يُلاقوا رَبَّهم يوم القيامة بقُلوب سَليمةٍ عامرة بالإيمان والعِلم، سالِمة من الآثام، قال تعالى : ( يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم )
ويُحِب لهم ما يُحِب لنفسِه وأعظم، فهو بعدَ الله تعالى كالغيث النافع المبارَكِ يَحِل بأرضِهم.
لو أحسن إنسانٌ إلى آخَرَ بإنقاذِه مِن هلكةٍ كجوع أو غَرَق أو حَرْق...، لشَكَرَهُ طِيلةَ حياتِه، وعَدَّها مَنقبَة وفَضْلا له، ولأَثْنى عليه في كلِّ مكان، فكيف بمن يَسْعى جاهدا بتعلِيمِك ودعوَتِك إلى الخير، وإحياء قلبِك وبدنِكَ، والنجاة من أهوال الدنيا والآخرة؟
لا شك أنه أوْلَى بالمَعروف والثناء والإحسان ( هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ).
فكَم مِن فضائِلَ لطالبِ العلمِ على الناس:
1ــــ تَفرغُه للعلم والتعليمِ لنجاة الناس مِن بلايا الدارين.
2ـــ تَسخيرُه كل أوقاتِه للعلم والتعليمِ، ولو كان في نصف الليل والسحر، بل وقدَّمَه على كثير مِن مَلذَّاتِه كطعام ونوم، كلُّ هذا الاهتمام والحرص لأجل نجاةِ الناس من مواطن الفساد والشر.
3ـــ حريص على سعادة الناس، ويُحِب لهم الفوز والنجاة أكثر مِن مَحبة ذلك لنفسِه، قال صلى الله عليه وسلم : لا يُؤمِن أحدُكم حتى يُحِب لأخيه ما يُحِب لنفسِه . صحيح رياض الصالحين .
4ـــ حريص على حِفظ أعراض الناس وأموالِهم وأعمارِهم، بتَعْلِيمِهم وتَوْجِيههم إلى ما فيه الخير لهم في الدنيا والآخرة، فيَسْعى في حفظ الأعراض بالتحذيرِ مِن مواطن الشر، ويَسعى في حفظ الأموال وبَركتِها ونمائِها بتَوْجيهها بطلب الحلال واجتناب الحرام، ويَسعى في حفظ الأعمار بالطاعات والتذكير بها والحث عليها.
ـ طالب العلم الصادق لا يَقَر له قَرار ولا يَهدأ له بال وهو يرى الناس يحترقونَ بالمعاصي والآثام، فيَسعَى دائما دعوةً ودُعاءً بإطفائها بالطاعات والكلمات الطيباتِ الحسان { وما أكثرَ الثَّناء لرجال الإطفاء الذين يَسعونَ لإِطفاء نار الدنيا غيرِ دائمة، وبأجر لو قُطِع تَركوا! وأما طالبُ العلم فيَسعَى لإطفاء نارٍ دائمة حارقة شديدة الحَرقِ يوم القيامة، في كل لحظة وحين، بلا كَلَل أو مَلل، من غير عطاء أو جزاء من الناس، فَمَن أَوْلى بالمَعروف والثناء؟!
طالبُ العلم رجلُ إغاثة للمَنْكوبين بالسيئات، أعظم مِن أي نَكبةٍ أخرى .
فوجبَ عليهم والحال هذه مِن { بَذلِه وعطائه وحِرصِه وحُبه ونفعِه ونصيحته وجهاده واجتهاده } أن يُعينوه بأموالهم وُجوبا لِزاما عليهم، لا تَفضُّلا وَمَنًّا، وإعانتُه واجبةٌ لأُمورٍ:
1 ــــ أمْرُ الله تعالى، قال تعالى : ( فلولا نفر مِن كل فِرقة طائفة ليتفقهوا في الدين ) التوبة . فنُفورُ طالبِ العلم واغترابُه ورِحلتُه مِن أجلِ العلم والتعليم يُعَد مِن أعظم أنواع الجهاد، فيَستحِقُّ مِن الفَيْءِ والغنائم والزكواتِ بالدرجة الأُولَى قبل أي مُجاهدٍ، فضلا عن أيِّ فقير ومسكين، لأن جهادَه مِن أعظم الجهاد ــــ جهاد العِلم والبيان ــــ ، ولولاه ما قام الجهاد بالسِّنان، وجهادُه لا يَنقطِع، بخلاف جهاد السنان، قال صلى الله عليه وسلم: جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم))
وحربُ العقائد والأفكار المُنحرفةِ ما رُدَّت إلا بجهاد العلمِ.
ولولا جهاد طالبِ العلم بعِلمِه لضاع الدينُ أمام أعاصير الفتن والشبهات الهدامة التي لربما لا تَنْفَك مِن قلب صاحبها إلى الموتِ.
أضِف إلى ذلك: أن جهاد السِّنان قد جُعِلَ له بَنْدٌ في كل البلاد الإسلامية ويَدْعَمُ بما يُسَمى بوزارة الدفاع، إلا جهاد الدعوة والعلم والتعليمِ لا تَجِد له بَنْدا ولا أثرا، إلا فُتاتا مِن قِبَلِ بعض الجَمعيات الخيرية لا يكادُ يُذكَر.
2 ــــ أنه تَفرَّغَ للعلم والدعوة والتعليم عَن أعمال الدنيا بطلبِ رِزق ومعاش، فطلَبُه للعلم وتَفرُّغُه لأجلِهِم يُعَد مِن أحقِّ الناس بآية الصدقات والزكوات الواجباتِ، قال تعالى: ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين ... ) التوبة .
إذا كان الفقير عَدَّ اللهُ تعالى إعانَتَهُ والإنفاقَ عليه من الواجبات، ومع أن الفقير نَفعُه عائِدٌ إليه لا إلى غيرِه، مع قُدْرَتِه على الإكتساب حيث أنه لم يُوقِف نفسَه لله تعالى كطالب العلم، فكيف بطالب العلم الذي أوقَفَ نَفسَه لله تعالى، {للعلم والتعليم والدعوة، ونَفعُه مُتَعَدٍّ إلى الناس جميعا }، فَمِن باب أَوْلى تَقديمُه على جميع أصناف الزكاة لعُموم وعظيم نَفعِه، بل ويُقَدَّم حتى على المجاهد، لأن الجهاد لا يقوم إلا على ساق العلم ، ولولا العلمُ ما قام الجهاد .
والفقير مِن طلاب العلم مُقَدَّم على كل فقير ومسكين، ولا مُقارنةَ بين الفقير مِن طلاب العلم والدعاةِ، والفقير مِن عُموم الناس ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون )
بل وعَدَّ بعضُ أهل العلم دخولَ طالب العلم دُخولا أَوَّلِيًّا في هذه الآية: ( للفقراء الذين أُحصِروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض ) فهو كالأسير والمُحاصَرِ عن طلب المعاش والأرزاق، لِتَفَرُّغِه لطلب العلم والدعوة والتعليم، بل ويَعُدُّ مِن أعظم الأسْرَى نَفْعًا للمُسلِمين، أسرَهُ العلمُ والدعوةُ والتعليم عن كَثير من مَلَذَّات الدنيا المُباحة، ويستطيع في أيَّةِ لحظة فَكَّ أسرِه بالإقبال على الدنيا وترك العلمِ والتعليم ، فأسْرُهُ مِن أعظم الأسر لأنه أسرُ اختِيارٍ، أعظم وأشدُّ بلاءً مِن أسْرِ الاضطِرار ، وكلُّ أسيرٍ حِسِّيٍّ مَذْكورٌ بالدعاء مِن كثيرٍ من المسلمين، إلا أسيرَ العلمِ – الأسْرَ المَعْنَوِيَّ-.
وجاءت هذه الآية في سياق آيات الإنفاق مِن سورة البقرة ، إشعارا للناس عامة وللأغنياء خاصة بالمُبادرة والمسارعة في الإنفاق عليهم، وُجوبا لا مَنًّا أو تَفَضُّلا ، لعُموم وعظيم منافعِ طالب العلم على الناس جميعا . ومَن أخَّرَ مِن الأغنياء في الإنفاق عليهم مِن غيرِ عُذْر يُعتبرُ مُقَصِّرًا. ويُخشَى مِن تأخير الإنفاق عليهم مفسدةٌ مِن أعظم المفاسد: ضياعُ الدِّين، بِتركِ العلم والتعليم. (داعية ترك العلمَ والدعوةَ والتعليم بسبب قلةِ المال وانشغل بالتجارةِ، فضاع العلمُ والدعوة، وهكذا حال أكثرِ الدعاة يوم قَلَّ المال أو بالأصح عُدِم... ففُقِدَ الواعِظون والآمِرون بالمعروف والناهون عن المنكر، وإذا وقع ذلك عَمَّ الهلاكُ، قال صلى الله عليه وسلم يوم سألته عائشة : أنهلِك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كَثُرَ الخبثُ. وهذا مع وُجودِهِم، فكيف إذا فُقِدوا؟!! .
بل وأقول أيضا: عُدَّتِ الصدقاتُ على الفقراء والمساكين ـــ مع أن مَنافِعَهُم قاصِرة على أنفسِهم ـــ مِن أحب الأعمال الصالحات وفيها الأجر العظيم، لقولِه صلى الله عليه وسلم: أحبُّ الناس إلى الله أنفَعُهُم للناس، وأحبُّ الأعمال إلى الله سرورٌ يُدخِلُه على مسلم. وطالبُ العلم الفقير مِن أنفع الناس للناسِ ـــ بصلاحِه واستقامته وعلمِه وتعليمِه وخيرِه العميم حِسًّا ومَعْنًى ، ومنافِعُه مُتَعَدِّيَة إلى الغير وليست قاصِرَة عليه كسائر الفقراء - فكيف بِمَن يُعينُ طالبَ عِلم منافِعُه عظيمة جليلة مُتَعَدِّيَة؟!
لا شك أن له مِن الأجر أعظم مِن سائر أيِّ فقير أو مسكين مَنافِعُهُم قاصرة لا مُتَعَدية
وإعانة طالب العلم بالمال تُعَد مِن أعظم الصدقات الجاريات ، والعاقلُ الفطِن الحكيم مَن حَرِص على جَرَيان صدقتِه إلى يوم الدين.
بل كلُّ أحاديث تَفريج الكُروب والإنفاق والصدقات يَدخُل فيها طالب العلم الفقير دُخولا أوَّلِيًّا، لِمَنافِعه المُتَعَدِّيَة، وما لحِقَه وَصْفُ الفقر إلا لِتفَرُّغِه للعلم والتعليم، أي لأجل سعادتِهم ونجاتهم .
وإذا كان إحياءُ نَفْسٍ مِن هَلَكَة ( فكأنما أحيا الناس جميعا ) أجرٌ عظيم، مع أنها حياةُ بَدَنٍ فقط، فكيف بِمَن أحيا القلوبَ والأبدان مَعا، لا مِن بلايا الدنيا فحَسْب، بل ومِن عذاب وأهوال الآخرة أيضا؟!
وهذا مُتَحَقِّقٌ في طالب العلم وحدَه دونَ غيرِه.
فوجَبَ ـــ وُجوبًا ـــ والحال هذه أن يُعِينَه الأغنياء مقابِلَ أعمالِه الجليلة مِن أجلِهِم.
ووالله مهما عمِلوا مِن إسداء الجميل له فلَن يُوَفُّوه عَشرَ مِعشار أعماله الجليلة، والتي لا تُوزَنُ لها الدنيا ولو جِيءَ بعَشرِ أمثالها، ولكنه رضيَ مِنهم بالقليل لأجلِهِم وتجاوزَ عَن تَقصيرِهم الكثيرَ، ولو طلَبَ مِنهم المجازاةَ على أعماله العظيمة لأجلِهِم ـــ دَقيقِها وجليلِها ـــ ما وَفَّوْه حَقَّه أبدا، أولا: لِتَعَذُّرِ مُجازاتِه، كالأم مع أولادها، يوم حمَلَ رجلٌ أُمَّه على ظهره في الحج وطاف بها مناسك الحج ـــ مشقةٌ عظيمة ـــ قال لابن عمر: أتُراني وفَّيْتَها حَقَّها؟ قال ابنُ عمر: والله ما وفَّيْتَها ولا طَلقةً مِن طَلقاتِ حَمْلِها وأنت في بَطنِها. وثانيا: لإِهمالِهِم وَتَقصيرِهم في إعانتِه وإسداء جُزءٍ يَسير مِن الخير العظيم الجليل الذي قَدَّمَه لهم طيلةَ حياته بلا كلَل أو ملل. ( حياتُه كلُّها لهم، بل حتى عند الموتِ حريصٌ على نُصْحِهم وتعليمِهم وتَوجيهِهم، وما عَنَّا ابنُ عُثَيمين ببعيد، مات يوم مات وهو يُعَلِّمُ المسلمينَ العلمَ والخير! )
وحقيقةً ما أوسعَ وأحلَمَ وأرحمَ طالبَ العلم بالناس، يَنفعُهُم ويَضُرونَه، ويُساعِدُهم ويُعينُهم ولا يُعينونَه، ويُقْبِل عليهم بنَجاتهم وتعليمِهم ويُعرِضوا عنه لجَهلِهِم، ويُحِبُّهم ويحبُّ لهم الخيرَ مِن كل قلبِه وهم يُحارِبونَه، ويُثنِي عليهم وهم يَشْتِمونه ويَزْدَرونَه حُقوقَه، ويقومُ في ليلِه يَدعُو لهم في صلاته وسُجوده بالتوفيق والهِداية وهم لا يَدْعُون له بَل يَدْعونَ عليهِ.
ووالله لو عامَلَهُم بسُوءِ أعمالهم ما دعَا يوما إلى الله تعالى، ولكنه عاملَهُم بما يُرضِي ربَّه إخلاصا وصدقا وإحسانا، فصار طالب العلمِ كالأب الرحيم للناسِ، كالابنِ لكَبيرِهِم، والأب لصغيرِهِم، والأخ لأخيهم.
فواجبٌ عليهم حَتْما والحال هذه أنه أبٌ حريص عليهم قائِم على تربيتهم ومصالحهم في معاشهم ومعادِهم ، وكالأُمِّ الرحيمة بهم المُشفقة عليهم تتمَنَّى نَجاتهم، وهلاكها دونَهُم، واجبٌ عليهم كالواجبِ مع الأب والأمِّ مِن الإحسان والطاعة والإنفاق، بل وأعظمُ مِن حَق الأب والأم، فمتى قاموا بهذا الحق العظيم لطالب العلم وُجوبا ـــ لا تَفضُّلا ومَنًّا ــــ كانوا بارِّين مِن خيرة عباد الله الصالحين، وإلاّ فليَنتَظروا البلاء والعذاب العظيم، كَمَن عَقَّ أباه وأمه مَوعود بالعذاب العظيم .
وعُدَّ عُقوقُه من الكبائر، فكيف بمَن أضاع حقوقَ طالب العلم وهي أجلُّ وأعظم من حقوق الأب والأم، لسَعْيِ طالب العلم في الليل والنهار والسر والإعلان في نجاةِ القلوب والأبدان جميعا مِن هلاك الدنيا والآخرة، بخلاف الكثير مِن الآباء الذين يَسْعَون في حياة الأبدان دون أدنَى اهتمام بصلاحِ القلوب وتطهيرِها مِن المعاصي والذنوب.
وأيضا الكثيرُ مِن الآباء يَسْعى جاهدا في التربية للانتفاعِ غالبا عندَ الكِبَرِ والضعفِ، وأما طالبُ العلم فيَسْعى جاهدا في هدايتك وتعليمِك إخلاصا وثوابا من الله تعالى، لا يريدُ من الخلق جزاء ولا شكورا ( لا نريد منكم جزاء ولا شكورا ).
أضِف إلى ما سبق: أن طالب العلم لو هداك اللهُ بنصيحَتِه كأنك وُلِدتَّ وِلادةً جديدة ، وِلادةَ الصَّلاح وتَحصيل الأجر والثواب، أعظم مِن وِلادَتِك الأُولى.
وبعدَ النظر والتأمُّلِ نَرى أن حُقوقَ طالبِ العلم ــــ المَهضومَة الضائعة عند الكثيرين ـــ أجلُّ وأعظم بكثيرٍ مِن حَق أيِّ إنسان آخرَ ــــ ولا مُقارنَة بين الثَّرى والثُّرَيا ــــ، يكفي طالب العلم فَضْلا وفَخرا وشرفا أنك تَنهَل في كل جُمعةٍ مِن زادِه الإيماني لو عَقِلْتَه وعَمِلتَ به نَجوتَ مِن عذاب الدَّارَيْن، وهذا في الجُمعةِ! كيف ومَجالِسُه النافعة المباركةُ الخيِّرَة في العلمِ والنصيحةِ والتوجيه لا تُحْصَى كَثرةً!.
وحقيقة لو جِئنا نُحْصِي فضائل طالبِ العلم لَمَا كَفَتْنا هذه السطورُ القليلة في بيان خَيراتِه العَميمَة على جميع الناس.
وبيانُ حُقوقِهِم وفضائِلِهم واجبٌ مَأْمورٌ به، أوّلا : اللهُ تعالى يقول : ( هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ) فأقلُّ الإحسان ورَدُّ الجميل الدعاء لهم، لقوله صلى الله عليه وسلم: مَن صنعَ إليكم مَعروفا فكافِئوه، فإن لم تجدوا فادعُوا له. صححه الألباني . ( ومهما دعوتَ له فلَن تُوَفِّيَه حَقَّه، وكم ستَدعو؟ وعلى ماذا ستَدْعو؟ أعَلى نُصْحِه لكَ؟ أم على هدايَتِك على يَديهِ؟ أم على عِلمِه وتَعليمِه ودعوتِه؟ أم على حِرصِه واهتمامِه؟ ... )
بل ويُعَد شُكرُهم والثناءُ عليهم قُربةً وعِبادةً مَن شُكرِ الله تعالى المَأْمور به لقوله صلى الله عليه وسلم: مَن لا يَشكُر الناسَ لا يَشكُرِ اللهَ. وأَوْلى الناس بالشُكرِ والتَّعْظيم والتَّبْجيل هُم طلاب العلم الدُّعاةُ إلى اللهِ، لِمَنافِعِهم العظيمة .
( ومنافعُ طلاب العلم والدعاة لا تُحصَى كَثْرة، عمَلٌ دَؤُوب مُتَواصِل، لا إجازات عِندَهم أو عيد أو غيره، كلُّ أيامِهم ولحظاتِهم وساعاتِهم دعوة وعلم وتعليم ، لا راحة ولا إجازة لهم إلا عند حَطِّ الرِّحال في الجنة. )
وثانيا: كيف لا نُثْنِي عليهم وقد جاءت الشريعة الغراء ببَيان فضائلِهِم لا تُحْصَى كثرةً، لو لَم يَكُن إلا قَبول الله تعالى لشَهادتِهم وتَزكِيَتهم وتعْدِيلِهم لكفى به فضلا وشرفا، قال تعالى: ( شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم ... )آل عمران .
بل إن اللهَ تعالى سخَّرَ البهائم تَدعُو وتَستغفِر لهم لعظيم نَفعِهم حتى على البهائم، قال صلى الله عليه وسلم: إن العالِمَ ليستغفِر له كلُّ شيء حتى الحيتان في جوف الماء، والنمل في جُحورِها. صححه الألباني .
إذا كان هذا حالُ البهائِم مِن الإستغفار والدعاء لطالب العلمِ، أفلا تكون أنت أولى بالدعاء والإستغفار لطالب العلم؟! . الجواب مَوْكولٌ إليك أخي المسلم .
كلُّ ما سبقَ: أردنا أن نُلْفِت نظرَ المسلمين وخاصة الأغنياء مِنهم إلى ما يَجِب عليهم ــــ وُجوبًا ــــ تِجاه حُقوقِ طلاب العلم.
ــــــــــــــــــــ
أبياتٌ قِيلت في طلاب العلم :
أهـلا وسهـلا بالذين أُحِـبُّهـم × وأَوَدُّهُـم فــي الله ذي الآلاء
أهلا بقـومٍ صالحين ذَوِي تُقَـى × غُـرَّ الوُجـوه وَزيْنَ كُـل مَلاء
يَسعَـوْن في طلبِ الحديث بعِفَّةٍ × وتَوْقـير وسكـينَـةٍ وحَـيـاء
لهمُ المَهابَةُ والجَـلالَةُ والنُّهَـى × وفـضائِلُ جَلَّتْ عَنِ الإحصـاء
ومِدادُ مـا تَجْـري به أقلامُهُـم × أَزكَى وأفـضلُ مِن دَمِ الشهداء
يـا طالِـبي عِلـمِ النبيِّ مُحمـد × مـا أنـتُـمُ وسِواكُـم بسَواءِ
ــــ قال عليُّ بن أبي طالب يومَ جاء سائل يَسأَلُه: أُكْتُب حاجَتَك على رُقْعَةٍ،فإني لا أُحِبُّ أَنْ أَرَى ذُلَّ السُّؤالِ على وَجهِ مُسلم. فكتبَ الرجلُ حاجَتَه، فأمَرَ له علي بكِساءٍ ومِائةِ دينار. فأنْشَد الرجلُ قائلا:
كَسَوْتَني حُلَّةً تُبْلَى مَحاسِنُهــا × فسوفَ أَكْسُوكَ مِن حُسْنِ الثَّنا حُلَلا
إِنْ نِلْتَ حُسْنَ ثَنائي نِلْتَ مَكْرُمَةً × ولَسـتُ أَبْغـي بِمـا قَـد قُلْتُه بَدَلا
إنَّ الثناءَ لَيُحْيِي ذِكْـرَ صاحِبِـه × كَالغيثِ يُحْيِي نَداهُ السَّهلَ والجَبـلا
وكلُّ عَبدٍ سَيُجْزى بما قَـد عَمِلا.
ــــ هذه المسارعةُ في البَذلِ والعطاء مِن عليٍّ رضي الله عنه مع رجُلٍ لا يَعرِفُه لا بعلمٍ ولا بِغَيره، فكيفَ بطُلابِ العلمِ والدُّعاةِ؟!!
مِن باب أَوْلى المسارعَةُ بالإنفاق عليهِم وُجوبًا لِنَفْعِهم العظيم العَميم، ولأنَّهُم أيضا أهلُ الله وخاصَّتُه كما قال صلى الله عليه وسلم. فَالإنفاقُ عليهم وقضاءُ حَوائِجِهم مِن أعظم الأسباب الجالِبَةِ لِمَحَبَّة الله ورحمَتِه. ومَن أهمَلَهُم مع الإستطاعةِ والقُدرةِ يُخشَى عليه المُساءلةُ يوم القيامةِ ( وقِفوهُم إنهم مَسؤُولونَ ).
جامع هذه الكلمات ومُقدم هذا البحثِ أخوكم/ إسماعيل بن علي المنصوري (أبو سلمان) مُؤَلِّفٌ وَكاتِبٌ وَباحِثٌ في المَسائِلِ الشَّرْعِيَّةِ، وَخَطِيبُ مَسْجِدٍ ( وَزارَةِ الأَوْقافِ )، وَداعِيَةٌ إِلى اللهِ في صَنْعاءَ اليَمَنِ، وَمُحاضِرٌ في المَساجِدِ - في الرَّقائِقِ وَالإِيمانِيَّاتِ -،وَمُدَرِّسٌ لِمادَّةِ القُرْآنِ الكَريمِ، وَمُعالِجٌ بِالقُرْآنِ الكَريمِ وَالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ ( الطِّبِّ البَديلِ )في أَوَّلِ مَرْكَزٍ لِلعِلاجِ بِالقُرْآنِ الكَريمِ في اليَمَنِ، وَمَسْؤُولُ اللَّجْنَةِ العِلْمِيَّةِ وَالرَّقابَةِ الشَّرْعِيَّةِ في نَفْسِ المَرْكَزِ.

أحمد علي
03-06-2014, 05:55 PM
1894 - " أنزلوا الناس منازلهم " .
قال الألباني في السلسلة الضعيفة :
ضعيف .
رواه ابن عساكر ( 12 / 200 / 1 ) عن نوح بن قيس عن سلامة الكندي عن
الأصبغ بن نباته عن علي بن أبي طالب قال : جاءه رجل ، فقال : يا أمير
المؤمنين إن لي إليك حاجة فرفعتها إلى الله قبل أن أرفعها إليك ، فإن أنت
قضيتها حمدت الله وشكرتك ، وإن أنت لم تقضها حمدت الله وعذرتك ، فقال علي
: اكتب على الأرض فإني أكره أن أرى ذل السؤال في وجهك ، فكتب : إني محتاج ،
فقال علي : علي بحلة ، فأتي بها ، فأخذها الرجل فلبسها ، ثم أنشأ يقول :
كسوتني حلة تبلى محاسنها * * * فسوف أكسوك من حسن الثنا حللا
إن نلت حسن ثنائي نلت مكرمة * * * ولست تبقى بما قد قلته بدلا
إن الثناء ليحيى ذكر صاحبه * * * كالغيث يحي نداه السهل والجبلا
لا تزهد الدهر في زهد تواقعه * * * فكل عبد سيجزى بالذي عملا
فقال علي : علي بالدنانير ! فأتي بمائة دينار فدفعها إليه ، فقال الأصبغ : فقلت
: يا أمير المؤمنين ! حلة ومائة دينار ؟ قال : نعم سمعت رسول الله صلى الله
عليه وسلم يقول : فذكره . قال : وهذه منزلة هذا الرجل عندي . قلت : وهذا
إسناد واه جدا ، آفته الأصبغ هذا ، فإنه متروك متهم بالكذب . وسلامة الكندي
، كأنه مجهول ، أورده ابن أبي حاتم من رواية نوح بن قيس هذا فقط عنه ، ولم
يذكر فيه جرحا ولا تعديلا . والقصة تلوح عليها لوائح الوضع .
وأما الحديث المترجم له ، فقد أخرجه أبو داود ، وأبو الشيخ في " الأمثال " ( 241 ) عن عائشة مرفوعا ، وإسناده خير من هذا ، ولكن فيه علل ثلاثة بينتها في " تخريج المشكاة " رقم ( 4989 - التحقيق الثاني ) . وأحدها الانقطاع ، وبه
أعله أبو داود نفسه ، وأيده المنذري في " مختصره " ( 4675 ) وحسنه السخاوي
لشواهد ذكرها ، منها حديث معاذ المتقدم قبل حديث ، وهو مع ضعفه البين هناك
يختلف معناه عن هذا .
وأما الحاكم فجزم في " علوم الحديث " ( ص 49 ) بصحة الحديث ! ولعل منشأ هذا
الوهم أن مسلما علقه في " مقدمة الصحيح " ،وقد أشار لضعفه .