المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فتوى في تحريم التأمين الإلزامي على الرخصة وغيرها



Anonymous
12-28-2002, 12:53 AM
http://www.alkhoder.com/nnn/sections.php?o...rticle&artid=67 (http://www.alkhoder.com/nnn/sections.php?op=viewarticle&artid=67)

بسم الله الرحمن الرحيم
فتوى في تحريم التأمين الإلزامي على الرخصة وغيرها



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد :
لقد كثرت الأسئلة والاستفسارات عن مسألة ما يُسمى بالتأمين التعاوني الإلزامي الإجباري على رخصة قيادة السيارة وعلى التأمين الصحي والتجاري وغيره التابع للشركة الوطنية التعاونية للتأمين ، ما هو حكمه وما الموقف منه وما يتعلق بذلك .
وقياما بواجب النصح للمسلمين ، وللمسئولين ولأصحاب الشركة ، فإن الدين النصيحة ، وقياما بواجب العلم والتبليغ كما قال تعالى { وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ } . ولقوله صلى الله عليه وسلم فيما روى عنه أبو هريرة ( من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة ) رواه أبو داود والترمذي وقال في الباب عن جابر وعبد الله بن عمرو ثم قال حديث أبي هريرة حديث حسن ، وصححه ابن حبان .
وبعد الاطلاع على وثائق هذه الشركة التي نشرتها على الناس ، وبعد الإطلاع على موقعهم على شبكة الانترنيت ، وبعد الإطلاع على بعض البحوث المتخصصة في هذا المجال .
سوف نتكلم إن شاء الله في هذه الفتوى عن :
1 ـ طبيعة هذا التأمين وحقيقته ، والتلبيس والغش في تسميته بغير اسمه .
2 ـ حكمه .
3 ـ حكم الإلزام به .
4 ـ موقف المسلم من هذا الإلزام وما يترتب عليه ، وكيفية التعامل معه .
5 ـ حكم العمل في هذه الشركة المسماة الوطنية التعاونية للتأمين ، وغيرها .
6 ـ مفاسده .
7 ـ شبهات من أجازه .
8 ـ البديل الشرعي الإسلامي الذي يحقق السعادة للناس .
أولا : هذا العقد في الحقيقة هو تأمين تجاري قائم على أكل أموال الناس بالباطل ، وقائم على الجهالة والغرر والميسر ، وتسميته بالتأمين التعاوني هذا من باب التلبيس والتحريف والخداع , ومن الحيل المحرمة بالإجماع ، ومحاولة إيحاء أنه عقد إرفاق قائم على المعروف وبذل الخير والتعاون عليه ، قال تعالى { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } ، وقال تعالى { مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ } ، وقال تعالى عن يهود { يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ } .
وهو عقد طارئ في العصر الحالي لم ينشأ أصلا بين المسلمين إنما جاء إليهم من الكفار الغربيين ، حيث نشأ في ظروف اجتماعية واقتصادية سيئة ، هذا أصل وظروف نشأته .
أما معناه والمقصود به فالتأمين ( كما جاء في نشرتهم التي وزعت على العامة ) : هو عبارة عن عقد التزام بين حامل الرخصة ويسمى المؤمِّن ، وبين شركة التأمين تلتزم الشركة بتعويض وتحمل الأخطار والخسائر تجاه الغير من التزامات مالية في حال وقوع حادث مروري يكون المؤمِّن متسببا فيه كليا أو جزئيا وينتج عنه أضرار سواء في سيارات الآخرين أو ممتلكاتهم ، كما تُغطي الديات وتكاليف إصابات الآخرين الجسدية ، مقابل ما يدفعه حامل الرخصة من قسط مالي محدد اهـ .
وهذا عقد معاوضة يلتزم به طرف لآخر بتعويضه وتحمل الخسائر عنه عند وقوع حادث معين مقابل قسط مالي محدد . فكلاهما يعطي شيئا مقابل ما يأخذه ، فالشركة تتعهد بدفع مبلغ التأمين والخسارة مقابل ما يدفع المؤمِّن ، ولولاه لما تم العقد فهذا معنى المعاوضة فيه .
وهو عقد تجاري تكسبي لأن القصد منه التكسب والربح ، والمشترك فيه مقامر ، قال صلى الله عليه وسلم ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ) رواه البخاري ومسلم من حديث عمر . والأمور بمقاصدها وهذه من أمهات القواعد الفقهية والأصول الشرعية .
فتقول الشركة له ادفع لي كذا فإذا أصابك حادث ما مهما كان ذلك الحادث ، تحملت الخسارة عنك مقابل ما تدفع ، وإن لم يصبك شئ خسرت ما دفعت إليّ وذهب عليك وليس لك حق استرجاعه .
وهو عقد غرر لأنه متعلق بأمر قد يحدث وقد لا يحدث ولا يُدرى متى يقع الحادث وكم يكلف وما هي حجم الخسارة ؟ .
وقد صدر بيان في 22/ 2 / 1417 هـ من الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله في كشف تلبيس هذه الشركة وأمثالها حينما أطلقوا على عملهم التجاري اسم التعاوني ، ونص البيان هو : ( الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أما بعد ... فانه سبق أن صدر من هيئة كبار العلماء قرار بتحريم التأمين التجاري بجميع أنواعه ، لما فيه من الضرر والمخاطرات العظيمة وأكل أموال الناس بالباطل وهي أمور يحرمها الشرع المطهر وينهى عنها أشد النهي ، كما صدر قرار من هيئة كبار العلماء بجواز التأمين التعاوني ، وهو الذي يتكون من تبرعات من المحسنين ، ويقصد به مساعدة المحتاج والمنكوب ولا يعود منه شيء للمشتركين لا رؤوس أموال ولا أرباح ولا عائد استثماري لأن قصد المشترك ثواب الله سبحانه وتعالى ، ومساعدة المحتاج ولم يقصد عائدا دنيويا ، وذلك داخل في قوله تعالى ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) وفي قول الرسول صلى الله عليه وسلم ( والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ) وهذا واضح لا إشكال فيه .
ولكن ظهر في الآونة الأخيرة من بعض المؤسسات والشركات تلبيس على الناس وقلب للحقائق حيث سموا التأمين التجاري المحرم تأمينا تعاونيا ، ونسبوا القول بإباحته إلى هيئة كبار العلماء من أجل التغرير بالناس والدعاية لشركاتهم ... وهيئة كبار العلماء بريئة من هذا العمل كل البراءة ، لأن قرارها واضح في التفريق بين التأمين التجاري والتأمين التعاوني .
وتغيير الاسم لا يغير الحقيقة ، ولأجل البيان للناس ، وكشف التلبيس ودحض الكذب والافتراء صدر هذا البيان ، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين ) .
ثانيا : حكمه : وبعد معرفة المعنى نأتي إلى معرفة الحكم ، لأن الحكم على الشيء فرع تصوره :
هذا التأمين بصورته هذه محرم شرعا ، ومن كبائر الذنوب ، وهو عقد باطل بدليل الكتاب والسنة والإجماع ، أما الأدلة على ذلك فهي :
1 ـ قال تعالى ( وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) ، وهذا العقد من أكل أموال الناس بالباطل ، ومن المعاوضات القائمة على الباطل .
2 ـ وقال تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) ، فقد اتفق المفسرون على أن الميسر المحرم بنص هذه الآية هو القمار بجميع أنواعه ، وهذا العقد مقامرة بين الشركة والمؤمّن .
3 ـ يعارض هذا العقد شروط البيع ، فإن من شرط العقد أن يكون المتعاقدان جائزي التصرف عن رضا منهما ، وهذا العقد ليس فيه رضا من المؤمِّن ، قال تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ) ، ومن شروط العقد أيضا أن يكون المعقود عليه مباح النفع ، وأن يكون المعقود عليه معلوما ، وأن يخلو من الشروط الفاسدة ، وكل هذه الشروط معدومة في هذا العقد .
4 ـ ومن أدلة التحريم أن المقصد منه محرم ولو لُبّس غطاء التعاون ، فهذه شركة تجارية قصدها الربح والاتجار ، ولها مجالات أخرى في التامين غير هذه ، فهي تؤمن على الصحة ، وعلى المركبات الداخلة ، وعلى المعدات ... الخ والأمور بمقاصدها في العقود والتصرفات ، وهذه قاعدة عظيمة من أمهات القواعد الفقهية ، وعليها الإجماع وتعتبر في كل المذاهب الفقهية ، قال صلى الله عليه وسلم ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ) رواه البخاري ومسلم من حديث عمر ، وتكلم الشاطبي باستفاضة في كتابه الموافقات عن اعتبار المقاصد في العقود والتصرفات ، وذكر ابن تيمية في الفتاوى 30/353 أنه أصل من الأصول ، فقال : وأصل هذا اعتبار المقاصد والنيات في التصرفات وهذا الأصل قد قرر وبسط في كتاب بيان الدليل على بطلان التحليل اهـ المقصود .
وقال ابن قاسم في الحاشية على الروض المربع 4/374 عن ابن تيمية وغيره ان المقاصد معتبرة في العقود ونقله عن ابن القيم .
5 ـ وهذا العقد من عقود المعاوضة التي فيها جهالة ، فعن أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المنابذة وهي طرح الرجل ثوبه بالبيع إلى الرجل قبل أن يقلبه أو ينظر إليه ، ونهى عن الملامسة ، والملامسة لمس الثوب لا ينظر إليه ) رواه البخاري ومسلم ، وعن أبي هريرة قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر رواه مسلم ، قال ابن عبد البر في التمهيد : وهي كلها داخلة تحت الغرر والقمار فلا يجوز شيء منها بحال اهـ . وعن ابن عمر قال كان أهل الجاهلية يتبايعون لحم الجزور إلى حبل الحبلة ، وحبل الحبلة أن تنتج الناقة ثم تحمل التي نتجت فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ) رواه البخاري ومسلم ، فقد حُرم من عقود المعاوضات ما فيه جهالة ومخاطرة كأمثال هذه البيوع القائمة على الجهالة ، أمثال بيع الملامسة والمنابذة وبيع نتاج النتاج وهو حبل الحبلة ، وقد دل الإجماع على ذلك ، كما نقله ابن المنذر وابن قدامة والنووي رحمهم الله .
7 ـ يخالف مقاصد الشريعة وأصولها .
8 ـ لما فيه من المفاسد التي سوف نذكرها إن شاء الله .
ثالثا : حكم الإلزام به : أما الذين سارعوا في استخراج وثيقة التأمين مختارين راغبين فقد سارعوا في الإثم والعدوان ، وتعدوا حدود الله ( وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ) وقال تعالى ( تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) وقال تعالى ( وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) ، ويُخشى عليه أن يُعاقب بنقيض قصده ، فلا يأمن ولا يطمئن ولا يرجع إليه حقه ، وما ربك بظلام للعبيد .
أما إلزام الناس به فحرام ، ومن الاستيلاء على مال الغير بغير حق ، وهو ظلم وعدوان ويدل عليه :
أ ـ ما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم النحر فقال ( يا أيها الناس فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا ) .
ب ـ و لحديث عمرو بن يثربي قال شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بمنى ، فسمعته يقول ( لا يحل لمرئ من مال أخيه شيء إلا ما طابت به نفسه ) رواه أحمد والدارقطني والبيهقي . وعن أبي حميد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( لا يحل لمرئ أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفسه ، وذلك لشدة ما حرم الله عز وجل مال المسلم على المسلم ) رواه البيهقي وقواه ابن المديني .
قال ابن حزم في مراتب الإجماع في باب الغصب : واتفقوا أن أخذ أموال الناس كلِّها ظلماً لا يَحِل اهـ .
رابعا : موقف المسلم من هذا الإلزام وما يترتب عليه وكيفية التعامل معه :
أ ـ لا يجوز للمسلم قبول هذا الإلزام والتمشي معه إن استطاع ذلك ، وعليه التخلص من ذلك ، ولا تجوز طاعة أحد في ذلك ، فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية وأمر عليهم رجلا من الأنصار وأمرهم أن يطيعوه فغضب عليهم وقال أليس قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تطيعوني قالوا بلى قال قد عزمت عليكم لما جمعتم حطبا وأوقدتم نارا ثم دخلتم فيها فجمعوا حطبا فأوقدوا فلما هموا بالدخول فقام ينظر بعضهم إلى بعض قال بعضهم إنما تبعنا النبي صلى الله عليه وسلم فرارا من النار أفندخلها ، فبينما هم كذلك إذ خمدت النار وسكن غضبه فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال لو دخلوها ما خرجوا منها أبدا إنما الطاعة في المعروف ، وفي لفظ : لا طاعة في معصية الله ) رواه البخاري في باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية ، ورواه مسلم أيضا .
ب ـ ولا يجوز للمسلم أن يجدده كل سنة وهو يستطيع إلى ذلك سبيلا . وإذا دفع المسلم المال إلزاما وبقوة السلطان ، فيبقى هذا المال الذي دفعه غصبا حقا له ، يحق له استرجاعه متى ظفر به ، وأخذه منه بغير رضاه لا يُسقط ملكه له ، وهو دين في ذمة الشركة الغاصبة أخذته منه بالقوة ، وليس لها حق فيه ، ولا تملكه بالقبض ، إنما قبضها له قبض غاصب ، لحديث سعيد بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( وليس لعرق ظالم حق ) رواه أبو داود والترمذي وقال هذا حديث حسن غريب ، وقد رواه بعضهم عن هشام بن عروة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا ... وقال وفي الباب عن جابر وعمرو بن عوف المزني جد كثير وسمرة حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى قال سألت أبا الوليد الطيالسي عن قوله وليس لعرق ظالم حق فقال العرق الظالم الغاصب الذي يأخذ ما ليس له .
وأخذ الشركة المال بالقوة له حكم الغصب ، فتضمنه على كل حال ، فعن سعيد بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من اقتطع شبرا من الأرض ظلما طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع أرضين ) متفق عليه ، رواه البخاري في كتاب المظالم ، باب إثم من ظلم شيئا من الأرض ، وذكره النووي في شرح مسلم في باب تحريم الظلم وغصب الأرض وغيرها من كتاب المساقاة .
فتضمن الشركة هذا المال على كل حال ولك أيها المسلم استرجاعه متى ما ظفرت به ، وإن عاد إليك فهو حقك ، ومن ظفر بحقه الذي سببه ظاهر فهو أحق به ، ولا يمكن أن يُلزَموا بقوة السلطان على الدفع ثم يُمنعوا بالفتوى من أخذ حقهم واستيفائه متى ما تيسر ، فيُجمع لهم بين ظلمين ، فيُؤمروا بالدفع ويُمنعوا من الاستيفاء ، والظلم ظلمات يوم القيامة . واسترجاعهم له جائز وهو مبني على مسألة الظفر ، ودليلها حديث عائشة رضي الله عنها أن هندا قالت للنبي صلى الله عليه وسلم إن أبا سفيان رجل شحيح فأحتاج أن آخذ من ماله ، قال خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ) متفق عليه ، ومبني على ما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس فهو أحق به من غيره ) متفق عليه ، ذكره البخاري في باب إذا وجد ماله عند مفلس في البيع والقرض والوديعة فهو أحق به ، ثم قال : قال سعيد بن المسيب قضى عثمان : من اقتضى من حقه قبل أن يفلس فهو له وعرف متاعه بعينه فهو أحق به اهـ .
ولو فُرض أن الشركة الغاصبة لحقك أصلحت سيارة من أخطأت علية ، فهذه صورة تمكنت فيها من استرجاع حقك ، قال البخاري في باب قصاص المظلوم إذا وجد مال ظالمه ، وقال ابن سيرين يقاصه وقرأ ( وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ) اهـ ، وقد وصله عبد بن حميد في تفسيره من طريق خالد الحذاء عن محمد بن سيرين إن أخذ أحد منك شيئا فخذ مثله اهـ .
وما زاد فليس لك فيه حق ، لأنه مال الغير لكن يبقى في ذمتك للمسلمين ، يصرف للمجاهدين والفقراء والمساكين ، ولا تُرجعه إليهم فليس لعرق ظالم حق .
خامسا : حكم العمل في هذه الشركة التأمينية التعاونية التجارية الإلزامية :
يحرم العمل في هذه الشركة الظالمة الغاصبة التي تأكل أموال الناس بالباطل ، لأن العمل فيها إعانة على الإثم والعدوان وقد قال الله تعالى ( وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ )
والأموال التي أخذوها مغصوبة ، والعامل في هذه الشركة مساعد على هذا الغصب وهم يتصرفون في أموال لم يملكوها ولم يجزها لهم المالك ، قال ابن حزم في المراتب : واتفقوا أن بيع المرء ما لا يملك ولم يجزه مالكه ولم يكن حاكما ولا منتصفا من حق له أو لغيره أو مجتهدا في مال قد يئس من ربه فإنه باطل اهـ .
سادسا : مفاسده :
أ ـ التسبب في كثرة الجرائم ، كالتهور في القيادة والسرقات وغير ذلك .
ب ـ تكدس الأموال في أيدي قلة من الناس ، وهم أصحاب الشركة ومن وراءها .
ج ـ الإغراء بإتلاف أموال وممتلكات الغير عدوانا حيث يغري التأمين ضعاف النفوس بارتكاب الجرائم الفظيعة وعدم مراعاة حرمة الدماء والأموال والممتلكات .
د ـ إبطال حقوق الآخرين .
هـ ـ إفساد الذمم .
ز ـ ضياع المحافظة الفردية على الممتلكات وعدم الحيطة الفردية واتخاذ الوسائل والأسباب .
ح ـ تخويف الناس والتغرير بهم .
ط ـ ضياع الروابط وتفكك المجتمع ، وغير ذلك كم المفاسد .
سابعا : شبهات من أجازه : ومن أجاز هذا العقد فانه لا يستند إلى دليل خاص في المسألة ، وإنما يستند إلى أحد أمرين : إما مجرد قياسات باطلة في معارضة النصوص ، وإما على مصالح موهمة أو فاسدة الاعتبار . وليس عندهم إلا التلبيس وتقديمه على غير حقيقته .
ثامنا : البديل الشرعي الإسلامي الذي يحقق السعادة للناس :
إن دين الإسلام صالح لكل زمان ومكان ، قال تعالى ( ما فرطنا في الكتاب من شيء ) وقال تعالى ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ) ، ويحقق لأهل الإيمان السعادة والاطمئنان قال تعالى ( الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ) والإسلام ضمن العيش والأمن ، وهما مطلبان عظيمان ، وإذا قام حكام المسلمين على أمور الناس أحسن قيام بالتحكيم لكتاب الله والعمل بالشريعة وتوجيه حياة الأمة ورعايتها حصل الأمن ، فليس هناك أمر يحقق للإنسان تأمين عيشه وماله ونفسه ودينه وأهله مثل الإسلام وتطبيقه . وإذا أردنا الأمان فلابد من الاكتفاء بالطريقة الشرعية لتأمين حال الناس ، فمن الطرق الشرعية في تحقيق الأمن للناس :
1ــ رفع الأضرار والأخطار عن طريق بيت مال المسلمين ، فإن لكل مسلم حقا في بيت المال يجب دفعه إليه ، لحديث ( أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن مات وترك مالا فماله لموالى العصبة ومن ترك كلا أو ضياعا فأنا وليه ) رواه البخاري ، ومسلم .
2ــ ضمان الحد الأدنى من المعيشة ، ففي كتاب الأموال لأبي عبيد 260 وهي قصة عمر حين قدم الشام فاشتكى إليه بلال حال الناس فقال لا أقوم من مجلسي هذا حتى تكفلوا لكل رجل من المسلمين بمدّي بر وحظهما من الخل والزيت فقالوا نكفل لك يا أمير المؤمنين هو علينا قد أكثر الله من الخير ووسع قال فنعم إذا اهـ .
وجاء عنه أنه قال إني قد فرضت لكل نفس مسلمة في كل شهر مدي حنطة وقسطي خل وقسطي زيت ، فقال رجل والعبيد ؟ فقال عمر نعم والعبيد اهـ . الأموال لأبي عبيد ص 261.
وجاء عن ابن عمر أن عمر كان لا يفرض للمولود حتى يفطم قال ثم أمر مناديا فنادى لا تعجلوا أولادكم عن الفطام فإنا نفرض لكل مولود في الإسلام ، قال وكتب بذلك في الآفاق بالفرض لكل مولود في الإسلام : الأموال 249 .
3 ـ تحمل الدولة للديون عن العاجزين كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم ( من توفي من المؤمنين فترك دينا فعلي قضاؤه ) رواه البخاري في كتاب النفقات ، ومسلم .
وحديث قبيصة فقد تحملت الدولة ديونا عليه . فعن قبيصة بن مخارق الهلالي قال تحملت حمالة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله فيها ، فقال ( أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها ) قال ثم قال ( يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو قال سدادا من عيش ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوى الحجا من قومه لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو قال سدادا من عيش فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتا يأكلها صاحبها سحتا ) رواه مسلم .
4ــ رفع حاجات الناس عن طريق الصدقات من الزكاة وزكاة الفطر والكفارات والهدي والأضاحي ، قال تعالى ( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) . وقال صلى الله عليه وسلم ( أطعموا الجائع وفكوا العاني ) رواه البخاري ، وقال صلى الله عليه وسلم ( الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد ) متفق عليه .
5ــ تفعيل جانب القرابة والعاقلة في نفع بعضهم لبعض ، وتحمل بعضهم عن بعض ، قال تعالى (ْ وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) وقال تعالى ( وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ ) .
6ــ منع الربا، وإلغاء البنوك الربوية المحاربة لله ورسوله ، قال تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ ) .
7 ــ إلغاء الضرائب والرسوم التي أنهكت الناس وأثقلت كواهلهم ، وقديما كانت تسمى بالمكوس ويحرم العمل فيها بأي نوع من أنواع العمل ، ومعلوم أن الضرائب محرمة في الكتاب والسنة والإجماع ، أما الأدلة على ذلك :
أ ـ قال تعالى ( وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) وجه الدلالة : أن أخذ ضرائب على المسلم باطل وظلم لأنه بغير حق ، قال الله تعالى ( وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) .
ب ـ جاء في الصحيحين من حديث أبي بكرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم النحر فقال ( يا أيها الناس فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا ) ، وفي الباب عن ابن عمر وجابر وابن عباس وغيرهم . و لحديث عمرو بن يثربي قال شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بمنى ، فسمعته يقول ( لا يحل لمرئ من مال أخيه شيء إلا ما طابت به نفسه ) رواه أحمد والدارقطني والبيهقي . وعن أبي حميد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( لا يحل لمرئ أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفسه ، وذلك لشدة ما حرم الله عز وجل مال المسلم على المسلم ) رواه البيهقي وقواه ابن المديني .
فأخذ الرسوم من الظلم لأنه عن غير طيب نفس منه وروى مسلم في صحيحه في المرأة الزانية لما تابت وقد رجمت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له ) والشاهد : أن صاحب المكس قد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب ويحتاج لتوبة صادقة ، وروى أحمد وأبو داود عن عقبة بن عامر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( لا يدخل الجنة صاحب مكس ) , وصاحب المكس في هذه الأحاديث هو من يعمل في جمع الضرائب والرسوم واستحصالها وكتابتها وأخذها .. إلخ .
ج ـ أما الإجماع فقال ابن حزم في كتابه المراتب في الإجماع صـ121ـ واتفقوا أن المراصد الموضوعة للمغارم على الطرق وعند أبواب المدن وما يؤخذ في الأسواق من المكوس على السلع المجلوبة من المارة والتجار ظلم عظيم وحرام وفسق .اهـ , وقال ابن تيمية في الفتاوى 28/278 لما ذكر ما يأخذه الإمام فقال : ونوع يحرم أخذه بالإجماع .. كالمكوس التي لا يسوغ وضعها اتفاقا .اهـ , وقال ابن مفلح 6/280 ويحرم تعشير الأموال (أي المكوس) والكلف التي ضربها الملوك (أي الرسوم والضرائب عامة) على الناس إجماعا .اهـ , وقال ابن قاسم في حاشية الروض المربع 4/119 وتحرم الكلف التي ضربها الملوك على الناس بغير طريق شرعي إجماعا .
وقال ابن حزم في مراتب الإجماع في باب الغصب : واتفقوا أن أخذ أموال الناس كلِّها ظلماً لا يَحِل اهـ .
قال ابن تيمية في الاختيارات ـ كتاب الغصب ـ ويدخل فيه ما يأخذه الملوك والقطاع من أموال الناس بغير حق من المكوس وغيرها اهـ .
وأخيرا :
فليتق الله من يجرؤ على الفتوى فيبيح هذا التأمين الإلزامي المضاعف التحريم بحجج واهية ومصالح تخالف النص ويتلمس الأعذار في ذلك .
ويجب على العلماء والقضاة في المحاكم الشرعية وطلبة العلم أن يقوموا بما يجب عليهم من إنكار هذا الأمر وبيان حكمه وأخطاره ، فقد أوجب الله عليهم ذلك .
وليتق أهل هذه الشركة والمسؤولون ظلم الناس بإلزامهم بالتأمين المحرم ، وليتقوا دعوة مظلوم ، فعن سعيد بن زيد أن أروى خاصمته في بعض داره فقال دعوها وإياها فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من أخذ شبرا من الأرض بغير حقه طوقه في سبع أرضين يوم القيامة ، اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها واجعل قبرها في دارها قال فرأيتها عمياء تلتمس الجدر تقول أصابتني دعوة سعيد بن زيد فبينما هي تمشي في الدار مرت على بئر في الدار فوقعت فيها فكانت قبرها ) متفق عليه . اهـ . والله أعلم ، والحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين .
الــمــوقــعــون
1- محمد بن فهد العلي الرشودي . 2- علي بن خضير الخضير .
3- حمد بن ريس الريس . 4- محمد بن سليمان الصقعبي .
5- حمد بن عبد الله الحميدي . 6- عبد الله بن عبد الرحمن السعد .
7- عبد العزيز بن سالم العمر . 8- أحمد بن صالح السناني .
9- ناصر بن حمد الفهد . 10- أحمد بن حمود الخالدي .





[ الصفحة الرئيسة ]




موقع الشيخ علي بن خضير الخضير
إدارة الموقع : alkhoder@alkhoder.com
الفتاوى: ali@alkhoder.com
الشيخ ناصر الفهد : naser@alkhoder

موسى بن ربيع البلوي
12-28-2002, 09:31 PM
مشكور ايه الاخ الكريم

و نسال الله ان ينير الطريق لقلوب الغافلين ...
و في نظري و الله اعلم الحكم واضح كما قال الشيخ ابن عثيمين ...

الله اننا نعوذ بك من شرور اعداء الاسلام من العلمانيين و المنافقين و نجعلك في نحورهم.

اللهم اكفناهم بما شئت ...اللهم اكفناهم بما شئت ...اللهم اكفناهم بما شئت ...