المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دروس فقهية من منار السبيل ( 1 )



مشعل العصباني
11-03-2007, 03:05 AM
سأعطيكم مختصراً لكتاب منار السبيل في الفقه على هيئة دروس متفرقة نفعني الله و إياكم به :
الدرس الأول من شرح منار السبيل
قوله : (كتاب الطهارة )
قال البهوتي في كشاف القناع (1/23) : (( وهي ) أي الطهارة لغة النظافة والنزاهة عن الأقذار حسية كانت أو معنوية , ومنه ما في الصحيح عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم { كان إذا دخل على مريض قال لا بأس , طهور إن شاء الله } أي مطهر من الذنوب ) .
قوله : ((وهي رفع الحدث ) أي زوال الوصف القائم بالبدن المانع من الصلاة ونحوها . (وزوال الخبث ) أي النجاسة ) .
فيه مسائل :
الأولى : قوله رفع الحدث ، الأولى أن يقول ارتفاع الحدث ، قال البهوتي في كشاف القناع (1/23-24) تعليقا على قول الحجاوي في الإقناع غي تعريف الطهارة شرعا : ( ارتفاع الحدث ) : (وعبر بالارتفاع ليطابق بين المفسَّر والمفسِّر , ولم يعبر بالرفع - كما عبر به جمع ; لأنه تعريف للتطهير لا الطهارة , ولكن سهله كون الطهارة أثره وناشئة عنه) . وقوله : (ولكن سهله كون الطهارة أثره وناشئة عنه) فيه نظر لعدم اطراد هذه الملازمة ، بمعنى أنه لا يلزم من كل رفع ارتفاع ، فالرفع بدون ارتفاع لا يستلزم تخلص الجسد من الحدث ، بعكس الارتفاع فإنه لا يرتفع إلا إذا رفع ففيها إثبات الرفع مع إثبات تخلص الجسد من الحدث ، وعلى ذلك فالأولى التعبير بالارتفاع.
ولا يقال أن الخلاف لفظي فلا فرق عند الحنابلة بين الرفع والارتفاع وذلك لأن الحدث عندهم أمر معنوي وهذا الفرق إنما يكون في المحسوسات ، وذلك لقولهم المعروف في سلب الاستعمال لقليل الماء لطهوريته كما يأتي بيانه – إن شاء الله – فهم ينزلون ذلك الحكمي منزلة الحسي في قيامه بالأعضاء وانتقاله عنها.
الثانية : تعريف الحدث قال تقي الدين ابن تيمية في شرح العمدة (1/60) : (الحدث هو معنى يقوم بالبدن تمتنع معه الصلاة والطواف) وهذا التعريف تعقبه ابن دقيق العيد كما سيأتي كلامه قريبا – إن شاء الله - .
الثالثة : قوله : (وزوال الخبث) قال العثيمين في الشرح الممتع : (قوله: "وزوال الخَبَث" لم يقل: وإزالة الخَبَث. فزوال الخَبَث طهارة، سواءٌ زال بنفسه، أو زالَ بمزيل آخر، فيُسمَّى ذلك طهارةٌ).
فائدة :
إزالة أو زوال الخبث (النجاسة) لا تحتاج إلى نية بخلاف الطهارة للصلاة ، قال ابن مفلح في الفروع (1/259) : (غسالة النجاسة مع النية وعدمها سواء) . وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (ص/20) : (وأما الطهارة فالخلاف في اشتراط النية لها مشهور وهو يرجع إلى أن الطهارة للصلاة هل هي عبادة مستقلة أم هي شرط من شروط الصلاة كإزالة النجاسة وستر العورة فمن لم يشترط لها النية جعلها كسائر شروط الصلاة ومن اشترط لها النية جعلها عبادة مستقلة فإذا كانت عبادة في نفسها لم تصح بدون النية وهذا قول جمهور العلماء ويدل على صحة ذلك تكاثر النصوص الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الوضوء يكفر الذنوب والخطايا وأن من توضأ كما أمر كان كفارة لذنوبه وهذا يدل على أن الوضوء المأمور به في القرآن عبادة مستقلة بنفسها حيث رتب عليه تكفير الذنوب والوضوء الخالي من النية لا يكفر شيئا من الذنوب بالاتفاق فلا يكون مأمورا به ولا تصح به الصلاة ولهذا لم يرد في شيء من بقية شرائط الصلاة كإزالة النجاسة وستر العورة ما ورد في الوضوء من الثواب) .
الرابعة : ملاحظات عامة على التعريف :
أ – لم يذكر الماتن ما يحصل به الرفع للحدث أو النجس ، وصرح ابن قدامة في المغني بذلك حيث قال (1/21) : (رفع ما يمنع الصلاة من حدث أو نجاسة بالماء أو رفع حكمه بالتراب) وتعقبه الزركشي بقوله : (وقوله " بالماء , أو رفع حكمه بالتراب " فيه تعميم ، فيحتاج إلى تقييدهما بكونهما طهورين . وأجيب عن هذا التعقب بأن الماء والتراب عند الإطلاق إنما يتناول الطهور منهما عند الفقهاء . فلا حاجة إلى تقييدهما به (1).
__________
ب – اعترض على الماتن بأنه لم يذكر الطهارة الحكمية ، ولذلك نص عليها الشارح .
ج – اعترض على الماتن والشارح بأن تعريفهما غير جامع فلم يذكرا : دلك النعل وذيل المرأة – الطهارة المستحبة كغسل الجمعة والعيد و... التجديد ، والغسلة الثانية والثالثة فكل منهم طهارة مع أنه ليس بحدث ولا خبث ؛ ولذا عرف الحجاوي الطهارة في الإقناع بقوله : (ارتفاع الحدث وما في معناه وزوال النجس أو ارتفاع حكم ذلك ) .
قال المرداوي في الإنصاف (1/19-20) : (وأجيب عن الأغسال المستحبة ونحوها : بأن الطهارة في الأصل إنما هي لرفع شيء , إذ هي مصدر طهر : وذلك يقتضي رفع شيء . وإطلاق " الطهارة " على الوضوء المجدد والأغسال المستحبة مجاز , لمشابهته للوضوء الرافع والغسل الرافع في الصورة . ويمكن أن يقال في دلك النعل وذيل المرأة : بأن المذهب عدم الطهارة بذلك . كما يأتي بيان ذلك . وعلى القول بالطهارة : وإنما يحصل ذلك في الغالب بالتراب ) .
قوله : (أو زوال حكمها بالاستجمار أو التيمم ) فيه مسائل :
الأولى : قال البهوتي في كشاف القناع (1/25) : (( لا يرفع الحدث ) وما في معناه غيره ( ولا
يزيل النجس الطارئ غيره ) أي غير الماء الطهور . وأما التيمم فمبيح لا رافع كما يأتي في بابه ,
وكذلك الحجر ونحوه في الاستجمار مزيل للحكم فقط ) .
قال الرحيباني في مطالب أولي النهى (1/26) : (فخرج التيمم ; لأنه مبيح لا رافع , وكذلك الحجر ونحوه في الاستجمار مزيل للحكم فقط ) .
والراجح أن التيمم رافع للحدث حقيقة لا حكماً .
قال تقي الدين ابن تيمية في الاختيارات العلمية : (التيمم يرفع الحدث وهو مذهب أبي حنيفة ورواية أحمد واختارها أبو بكر محمد الجوزي) .

وقال أيضا في مجموع الفتاوى (21 / 403) : ( وقوله : ( فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون َ) دليل على أن التيمم مطهر كالماء سواء وكذلك ثبت في صحيح السنة أن النبي قال : (الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك فإن ذلك خير ) رواه الترمذي وصححه ورواه أبو داود والنسائي وفي الصحيح عنه قال : (جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ) وهو جعل التراب طهورا في طهارة الحدث وطهارة الجنب كما قال في حديث أبي سعيد : ( إذا أتى أحدكم المسجد فليقلب نعليه فلينظر فيهما فإن كان بهما أذى أو خبث فليدلكهما بالتراب فإن التراب لهما طهور ) وقال في حديث أم سلمة ذيل المرأة يطهره ما بعده ، فدل على أن التيمم مطهر يجعل صاحبه طاهرا كما يجعل الماء مستعمله في الطهارة طاهرا إن لم يكن جنبا ولا محدثا فمن قال إن المتيمم جنب أو محدث فقد خالف الكتاب والسنة بل هو متطهر وقوله في حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه : (أصليت بأصحابك وأنت جنب) استفهام أي هل فعلت ذلك فأخبره عمرو رضي الله عنه أنه لم يفعله بل تيمم لخوفه أن يقتله البرد فسكت عنه وضحك ولم يقل شيئا فإن قيل إن هذا إنكار عليه أنه صلى مع الجنابة فإنه يدل على أن الصلاة مع الجنابة لا تجوز فإنه لم ينكر ما هو منكر فلما أخبره أنه صلى بالتيمم دل على أنه لم يصل وهو جنب فالحديث حجة على من احتج به وجعل المتيمم جنبا ومحدثا والله يقول : (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) فلم يجز الله له الصلاة حتى يتطهر والمتيمم قد تطهر بنص الكتاب والسنة فكيف يكون جنبا متطهر لكنها طهارة بدل فإذا قدر على الماء بطلت هذه الطهارة وتطهر بالماء حينئذ لأن البول المتقدم جعله محدثا
والصعيد جعله مطهرا إلى أن يجد الماء فإن وجد الماء فهو محدث بالسبب المتقدم لا أن الحدث كان مستمرا ثم من قال التيمم مبيح لا رافع فإن نزاعه لفظي فإنه إن قال إنه يبيح الصلاة مع الجنابة والحدث وإنه ليس بطهور فهو يخالف النصوص للصلاة فيمتنع أن يجتمع المبيح والمحرم على سبيل التمام فإن ذلك يقتضي اجتماع الضدين ممنوع من الصلاة فالمنع ارتفع بالاتفاق وحكم الجنابة المنع فإذا قيل بوجوده بدون مقتضاها وهو المنع فهذا نزاع لفظي) .

وقد بيَّن ابن دقيق العيد نكتة المسألة حيث قال في شرح العمدة (1/20-21) : (الوجه الثاني : في تفسير معنى : " الحدث " فقد يطلق بإزاء معان ثلاثة : أحدها : الخارج المخصوص الذي يذكره الفقهاء في باب نواقض الوضوء . ويقولون : الأحداث كذا وكذا . الثاني : نفس خروج ذلك الخارج . الثالث : المنع المرتب على ذلك الخروج . وبهذا المعنى يصح قولنا " رفعت الحدث " و " نويت رفع الحدث " فإن كل واحد من الخارج والخروج قد وقع ... وأما المنع المرتب على الخروج : فإن الشارع حكم به . ومد غايته إلى استعمال المكلف الطهور , فباستعماله يرتفع المنع . فيصح قولنا " رفعت الحدث " و " ارتفع الحدث " أي ارتفع المنع الذي كان ممدودا إلى استعمال المطهر . وبهذا التحقيق يقوى قول من يرى أن التيمم يرفع الحدث . ; لأنا لما بينا أن المرتفع : هو المنع من الأمور المخصوصة , وذلك المنع مرتفع بالتيمم . فالتيمم يرفع الحدث . غاية ما في الباب : أن رفعه للحدث مخصوص بوقت ما , أو بحالة ما . وهي عدم الماء . وليس ذلك ببدع , فإن الأحكام قد تختلف باختلاف محالها . وقد كان الوضوء في صدر الإسلام واجبا لكل صلاة , على ما حكوه ولا نشك أنه كان رافعا للحدث في وقت مخصوص . وهو وقت الصلاة . ولم يلزم من انتهائه بانتهاء وقت الصلاة في ذلك الزمن : أن لا يكون رافعا للحدث . ثم نسخ ذلك الحكم عند الأكثرين . ونقل عن بعضهم ; أنه مستمر . ولا شك أنه لا يقول : إن الوضوء لا يرفع الحدث . نعم ههنا معنى رابع , يدعيه كثير من الفقهاء , وهو أن الحدث وصف حكمي مقدر قيامه بالأعضاء على مقتضى الأوصاف الحسية . وينزلون ذلك الحكمي منزلة الحسي في قيامه بالأعضاء . فما نقول : إنه يرفع الحدث - كالوضوء والغسل - يزيل ذلك الأمر الحكمي . فيزول المنع المرتب على ذلك الأمر المقدر الحكمي . وما نقول بأنه لا يرفع الحدث , فذلك المعنى المقدر القائم بالأعضاء حكما باق لم يزل . والمنع المرتب عليه
زائل . فبهذا الاعتبار نقول : إن التيمم لا يرفع الحدث , بمعنى أنه لم يزل ذلك الوصف الحكمي المقدر وإن كان المنع زائلا . وحاصل هذا : أنهم أبدوا للحدث معنى رابعا , غير ما ذكرناه من الثلاثة المعاني . وجعلوه مقدرا قائما بالأعضاء حكما , كالأوصاف الحسية , وهم مطالبون بدليل شرعي يدل على إثبات هذا المعنى الرابع , الذي ادعوه مقدرا قائما بالأعضاء , فإنه منفي بالحقيقة , والأصل موافقة الشرع لها , ويبعد أن يأتوا بدليل على ذلك . وأقرب ما يذكر فيه : أن الماء المستعمل قد انتقل إليه المانع , كما يقال , والمسألة متنازع فيها . فقد قال جماعة بطهورية الماء المستعمل . ولو قيل
بعدم طهوريته أو بنجاسته : لم يلزم منه انتقال مانع إليه . فلا يتم الدليل . والله أعلم ).

قوله : (وأقسام الماء ثلاثة أحدها طهور ... الثاني طاهر... الثالث نجس ...)
فيه مسائل :
الأولى : كلام الحنابلة في تقسيم الماء :
قال المرداوي في الإنصاف (1/21-22) : (اعلم : أن للأصحاب في تقسيم الماء أربع طرق . أحدها وهي طريقة الجمهور : أن الماء ينقسم إلى ثلاثة أقسام : طهور , وطاهر , ونجس . الطريق الثاني : أنه ينقسم إلى قسمين : طاهر , ونجس . والطاهر قسمان : طاهر طهور , وطاهر غير طهور . وهي طريقة الخرقي وصاحب التلخيص , والبلغة فيهما . وهي قريبة من الأولى . الطريق الثالث : أنه ينقسم إلى قسمين : طاهر طهور , ونجس . وهي طريقة الشيخ تقي الدين . فإن عنده : أن كل ماء طاهر , تحصل الطهارة به , وسواء كان مطلقا أو مقيدا , كماء الورد ونحوه . نقله في الفروع عنه في باب الحيض . الطريق الرابع : أنه أربعة أقسام : طهور . وطاهر , ونجس . ومشكوك فيه لاشتباهه بغيره . وهي طريقة ابن رزين في شرحه) .

هذا الغزو لتقي الدين ابن تيمية في الماء المقيد فيه نظر فعبارة في الفروع لا تدل على ذلك ، فال ابن مفلح في الفروع (1/267 –286) : (عند شيخنا ما أطلقه الشارع عمل بمطلق مسماه ووجوده , ولم يجز تقديره , وتحديده بعده فلهذا عنده الماء قسمان : طاهر طهور , ونجس) بل إن ظاهر كلام تقي الدين ابن تيمية يدل على أن الماء المقيد - غير المطلق- ليس بماء كما سيأتي كلامه – إن شاء الله – وقد صرح السعيدان بأن تقي الدين ابن تيمية يرى أن الماء المقيد ليس من أقسام الماء ، قال السعيدان في الأنجم الزاهرات في حل أخصر المختصرات : (فإذا تغير به لون الماء أو طعمه أو ريحه وغير اسمه حتى صار خلاً أو مرقاً أو صبغاً فإنه يسلبه الطهورية ويكون طاهراً لا طهوراً بغير خلاف في المذهب لأنه زال عنه اسم الماء ووصفه المطلق ، واختار الشيخ تقي الدين أن هذا الماء الذي تغير تغيراً يوجب نقل اسمه ووصفه إلى اسم الطاهر ووصفه بحيث من رآه لا يسميه إلا باسم هذا الطاهر أنه لا يعد قسماً من أقسام الماء وهو الراجح لأن هذا الماء زال عنه الاسم والوصف المطلق والأدلة دلت على أن الطهارة إنما تكون بالماء المطلق اسماً ووصفاً ، فجعل هذا القسم المتغير من أقسام المياه ليس بصحيح لأنه ليس بماءٍ أصلاً . أما إذا خالطه الطاهر ولم يتغير اسمه ولا وصفه المطلق فالقول الصحيح أنه يصح رفع الحدث به لعموم قوله تعالى { فلم تجدوا ماءً } واختاره الشيخ تقي الدين والله اعلم ) .
فائدة : قال البعلي في الاختيارات العلمية : (وتجوز الطهارة بكل ما يسمى ماء وبمعتصر الشجر ،
قاله ابن أبي ليلى ، والأوزاعي ، والأصم ، وابن شعبان وبمتغير بطاهر) . وهذا فيه نظر فقد قال
تقي الدين ابن تيمية في مجموع الفتاوى (2/164) : (فإذا قلنا الماء ينقسم إلى ثلاثة أقسام طهور وطاهر ونجس فالثلاثة أقسام الماء الطهور هو الماء المطلق الذي لا يدخل فيه ما ليس بطهور كالعصارات والمياه النجسة) أو يقال أن له قولان في المسألة
الثانية : الفرق ببين الطاهر والطهور :
قال تقي الدين ابن تيمية في الاختيارات العلمية : (وقد اختلف في الطهور هل هو بمعنى الطاهر أم لا
؟ وهذا النزاع معروف بين المتأخرين من أتباع الأئمة الأربعة . قال كثير من أصحاب مالك , وأحمد , والشافعي : الطهور متعد , والطاهر لازم . وقال كثير من أصحاب أبي حنيفة : الطاهر هو الطهور , وهو قول الخرقي ...) .
قال ابن قدامة في المغني (1/21 - 22) : (والطهور بضم الطاء : المصدر ، قاله اليزيدي ، والطهور بالفتح من الأسماء المتعدية وهو الذي يطهر غيره مثل الغسول الذي يغسل به ، وقال بعض الحنفية هو من الأسماء اللازمة بمعنى الطاهر سواء لأن العرب لا تفرق بين الفاعل والفعول في التعدي واللزوم فما كان فاعله لازما كان فعوله لازما بدليل قاعد وقعود ونائم ونؤوم وضارب وضروب . وهذا غير صحيح فإن الله تعالى قال : (لِيُطَهِّرَكُمْ بِه) وروى جابر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : (أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ) متفق عليه ، ولو أراد به الطاهر لم يكن فيه مزية لأنه طاهر في حق كل أحد ، وسئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن التوضؤ بماء البحر فقال : (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) ولو لم يكن الطهور متعديا لم يكن ذلك جوابا للقوم حيث سألوه عن التعدي إذ ليس كل طاهر مطهرا. وما ذكروه لا يستقيم لأن العرب فرقت بين الفاعل والفعول فقالت قاعد لمن وجد منه القعود ، وقعود لمن يتكرر منه ذلك فينبغي أن يفرق بينهما ها هنا وليس إلا من حيث التعدي واللزوم) .

وهذا الحصر الذي تعقب به الأحناف ردَّه ابن مفلح حيث قال في الفروع (1/72-73) : (وقال في الفنون : الطهارة النزاهة , فطاهر : نزه , وطهور : غاية في النزاهة , لا للتعدي , والدليل عليه قوله عليه السلام : { خلق الماء طهورا , لا ينجسه شيء } ففسر كونه طهورا بالنزاهة , لا ينجس بغيره لا بأنه يطهر غيره . فمن تعاطى في طهور غير ما ذكره الشارع فقد أبعد . فحصل على كلامه الفرق بينها بغير التعدي . وقال الحنفية : إنه من الأسماء اللازمة بمعنى الطاهر ; لأن المنقول عن الخليل وسيبويه وغيرهما من الأئمة أنه مصدر , كالطهارة ...).
الثالثة : بيان الراجح من الأقوال في تقسيم الماء :
قال تقي الدين ابن تيمية في مجموع الفتاوى (21/24) : (أما مسألة تغير الماء اليسير أو الكثير بالطاهرات كالأشنان والصابون والسدر والخطمي والتراب والعجين وغير ذلك مما قد يغير الماء ، مثل الإناء إذا كان فيه أثر سدر أو خطمي ووضع فيه ماء فتغير به مع بقاء اسم الماء ، فهذا فيه قولان معروفان للعلماء :
أحدهما أنه لا يجوز التطهير به كما هو مذهب مالك والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه التي اختارها الخرقي والقاضي وأكثر متأخري أصحابه لأن هذا ليس بماء مطلق فلا يدخل في قوله تعالى : (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً ) ثم إن أصحاب هذا القول استثنوا من هذا أنواعا بعضها متفق عليه بينهم وبعضها مختلف فيه فما كان من التغير حاصلا بأصل الخلقة أو بما يشق صون الماء عنه فهو طهور باتفاقهم وما تغير بالأدهان والكافور ونحو ذلك ففيه قولان معروفان في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما وما كان تغيره يسيرا فهل يعفي عنه أولا يعفي عنه أو يفرق بين الرائحة وغيرها على ثلاثة أوجه إلى غير ذلك من المسائل .

والقول الثاني : أنه لا فرق بين المتغير بأصل الخلقة وغيره ولا بما يشق الاحتراز عنه ولا بما لا يشق الاحتراز عنه فما دام يسمى ماء ولم يغلب عليه أجزاء غيره كان طهورا كما هو مذهب أبى حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى عنه وهى التي نص عليها في أكثر أجوبته وهذا القول هو الصواب
لأن الله سبحانه وتعالى قال : ( وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ) وقوله : (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً ) نكرة في سياق النفي فيعم كل ما هو ماء لا فرق في ذلك بين نوع ونوع فإن قيل إن المتغير لا يدخل في اسم الماء قيل تناول الاسم لمسماه لا فرق فيه بين التغير الأصلي والطارئ ولا بين التغير الذي يمكن الاحتراز منه والذي لا يمكن الاحتراز منه فإن الفرق بين هذا وهذا إنما هو من جهة القياس لحاجة الناس إلى استعمال هذا المتغير دون هذا فأما من جهة اللغة وعموم الاسم وخصوصه فلا فرق بين هذا وهذا ولهذا لو وكله في شراء ماء أو حلف لا يشرب ماء أو غير ذلك لم يفرق بين هذا وهذا بل إن دخل هذا دخل هذا وإن خرج هذا خرج هذا فلما حصل الاتفاق على دخول المتغير تغيرا أصليا أو حادثا بما يشق صونه عنه علم أن هذا النوع داخل في عموم الآية .
وقد ثبت بسنة رسول الله أنه قال في البحر هو : (الطهور ماؤه الحل ميتته ) والبحر متغير الطعم تغيرا شديدا لشدة ملوحته فإذا كان النبي قد أخبر أن ماءه طهور مع هذا التغير كان ما هو أخف ملوحة منه أولى أن يكون طهورا وإن كان الملح وضع فيه قصدا إذ لا فرق بينهما في الاسم من جهة اللغة وبهذا يظهر ضعف حجة المانعين فإنه لو استقى ماء أو وكله في شراء ماء لم يتناول ذلك ماء البحر ومع هذا فهو داخل في عموم الآية فكذلك ما كان مثله في الصفة
وأيضا فقد ثبت أن النبي أمر بغسل المحرم بماء وسدر وأمر بغسل ابنته بماء وسدر وأمر الذي أسلم
أن يغتسل بماء وسدر ومن المعلوم أن السدر لابد أن يغير الماء فلو كان التغير يفسد الماء لم يأمر به وقول القائل إن هذا تغير في محل الاستعمال فلا يؤثر تفريق بوصف غير مؤثر لا في اللغة ولا في الشرع فان المتغير إن كان يسمى ماء مطلقا وهو على البدن فيسمى ماء مطلقا وهو في الإناء وإن لم يسم ماء مطلقا في أحدهما لم يسم مطلقا في الموضع الآخر فانه من المعلوم أن أهل اللغة لا يفرقون في التسمية بين محل ومحل وأما الشرع فان هذا فرق لم يدل عليه دليل شرعي فلا يلتفت إليه ...
وأيضا فان النبي توضأ من قصعة فيها أثر العجين ومن المعلوم أنه لابد في العادة من تغير الماء بذلك لا سميا في آخر الأمر إذا قل الماء وانحل العجين فان قيل ذلك التغير كان يسيرا قيل وهذا أيضا دليل في المسألة فانه إن سوى بين التغير اليسير والكثير مطلقا كان مخالفا للنص وإن فرق بينهما لم يكن للفرق بينهما حد منضبط لا بلغة ولا شرع ولا عقل ولا عرف من فرق بين الحلال والحرام بفرق غير معلوم لم يكن قوله صحيحا.
وأيضا فان المانعين مضطربون اضطرابا يدل على فساد أصل قولهم منهم من يفرق بين الكافور والدهن وغيره ويقول إن هذا التغير عن مجاورة لا عن مخالطة ومنهم من يقول بل نحن نجد في الماء أثر ذلك ومنهم من يفرق بين الورق الربيعي والخريفي ومنهم من يسوى بينهما ومنه من يسوى بين الملحين الجبلي والمائي ومنهم من يفرق بينهما وليس على شيء من هذه الأقوال دليل يعتمد عليه لا من نص ولا قياس ولا إجماع إذ لم يكن الأصل الذي تفرعت عليه مأخوذا من جهة الشرع وقد قال الله سبحانه وتعالى : ( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) وهذا بخلاف ما جاء من عند الله فانه محفوظ كما قال تعالى : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) فدل ذلك على ضعف هذا القول .
وأيضا فان القول بالجواز موافق للعموم اللفظي والمعنوي مدلول عليه بالظواهر والمعاني فان تناول اسم الماء لمواقع الإجماع كتناوله لموارد النزاع في اللغة وصفات هذا كصفات هذا في الجنس فتجب التسوية بين المتماثلين .
وأيضا فانه على قول المانعين يلزم مخالفة الأصل وترك العمل بالدليل الشرعي لمعارض راجح إذ كان يقتضي القياس عندهم أنه لا يجوز استعمال شيء من المتغيرات في طهارتي الحدث والخبث لكن استثنى المتغير بأصل الخلقة وبما يشق صون الماء عنه للحرج والمشقة فكان هذا موضع استحسان ترك له القياس وتعارض الأدلة على خلاف الأصل وعلى القول الأول يكون رخصة ثابتة على وفق القياس من غير تعارض بين أدلة الشرع فيكون هذا أقوى ) .
وقال ابن حزم في المحلى(1/199) : ( مسألة وكل ماء خالطه شيء طاهر مباح فظهر فيه لونه
وريحه وطعمه إلا أنه لم يزل عنه اسم الماء فالوضوء به جائز والغسل به للجنابة جائز ...ثم قال مسألة فإن سقط عنه اسم الماء جملة كالنبيذ وغيره ، لم يجز الوضوء به ولا الغسل والحكم حينئذ التيمم ... ولما كان اسم الماء لا يقع على ما غلب عليه غير الماء حتى تزول عنه جميع صفات الماء التي منها يؤخذ حده صح أنه ليس ماء ...)
وقال الشوكاني في السيل الجرار(1/58) : (التحقيق أن ذلك الممازج إن خرج به اسم الماء المطلق كما يقال ماء ورد ونحوه فليس هذا الماء هو الماء الذي خلقه الله طهورا وإن لم يخرج عن اسم الماء المطلق فهو طهور وإن تغير بعض أوصافه فإن ذلك ولا يخرجه عن كونه طهورا ولا فرق بين أن يكون ما تغير به مطهرا مطهر أو بما هو من *****اته أو بمفرده أو بممره أو بغير ذلك) .

نواف النجيدي
11-03-2007, 06:26 AM
الله يرفع قدرك

سلمان العرادي
11-03-2007, 12:29 PM
الله يبارك فيك ولاهنت لاطلاعنا على هالدروس الفقهيه ..

مشعل العصباني
04-16-2008, 06:24 AM
اشكر الجميييييييييييييع

يوسف صالح العرادي
04-16-2008, 02:25 PM
http://albluwe.com/~uploaded/494/1182179429.gif