المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شرح مبسط لأحاديث الأربعين النووية



بنت ابوها
09-05-2004, 06:59 PM
<div align="center">بسم الله الرحمن الرحيم


الحديث الأول




عَنْ أَمِيرِ المُؤمِنينَ أَبي حَفْصٍ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ تعالى عنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلى اللهِ وَرَسُوله فَهِجْرَتُهُ إلى اللهِ وَرَسُوله، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيْبُهَا، أَو امْرأَة يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ.
رواه إماما المحدثين أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدِزْبَهْ البخاري، وأبو الحسين مسلم بن الحجَّاج بن مسلم القشيري النيسابوري، في صحيحيهما اللَذين هما أصح الكتب المصنفة.

الشرح

(عَنْ أَمِيرِ المُؤمِنينَ)
وهو أبو حفص عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، آلت إليه الخلافة بتعيين أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - له، ولقد أحسن أبو بكر اختيارًا حيث اختار عمر بن الخطاب.

وفي قوله (سَمِعْتُ)
دليل على أنه أخذه من النبي - عليه الصلاة والسلام- بلا واسطة. والعجب أن هذا الحديث لم يروه عن رسول الله إلا عمر مع أهميته، لكن له شواهد في القرآن والسنة.
ففي القرآن يقول الله تعالى:"وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ " فهذه نية، وقوله تعالى:"مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا" وهذه نيّة. وقال النبي - عليه الصلاة والسلام- لسعد بن أبي وقاص: (وَاعْلَمْ أَنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِيْ بِهَا وَجْهَ اللهِ إِلا أُجِرْتَ عَلَيْهَا حَتَّى مَا تَجْعَلَهُ فِي فِيّ امْرَأَتِك)، فقوله: تَبْتَغِي بِها وَجْهَ اللهِ فهذه نية، فالمهم أن معنى الحديث ثابت بالقرآن والسنة. ولفظ الحديث انفرد به عمر، لكن تلقته الأمة بالقبول التام، حتى إن البخاري -رحمه الله- صدر كتابه الصحيح بهذا الحديث.

قوله: (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى)
فقوله: (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ) فيه من أوجه البلاغة الحصر، لأن (إنما) تفيد الحصر، فإذا قلت: زيد قائم فهذا ليس فيه حصر، وإذا قلت: إنما زيد قائم، فهذا فيه حصر وأنه ليس إلا قائمًا. وكذلك قوله: (وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى).
الأعمال: جمع عمل، ويشمل أعمال القلوب وأعمال النطق، وأعمال الجوارح، فتشمل هذه الجملة الأعمال بأنواعها.

فالأعمال القلبية:
ما في القلب من الأعمال: كالتوكل على الله، والإنابة إليه، والخشية منه وما أشبه ذلك.

والأعمال النطقية:
ما ينطق به اللسان، وما أكثر أقوال اللسان، ولا أعلم شيئاً من الجوارح أكثر عملاً من اللسان، اللهم إلا أن تكون العين أو الأذن.

والأعمال الجوارحية:
أعمال اليدين والرجلين وما أشبه ذلك.

الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ النيات:
جمع نية وهي: القصد. وشرعًا: العزم على فعل العبادة تقرّبًا إلى الله تعالى، ومحلها القلب، فهي عمل قلبي ولا تعلق للجوارح بها.
واعلم أن النية محلها القلب، ولا يُنْطَقُ بها إطلاقًا،لأنك تتعبّد لمن يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، والله تعالى عليم بما في قلوب عباده، ولست تريد أن تقوم بين يدي من لا يعلم حتى تقول أتكلم بما أنوي ليعلم به، إنما تريد أن تقف بين يدي من يعلم ما توسوس به نفسك ويعلم متقلّبك وماضيك، وحاضرك. ولهذا لم يَرِدْ عن رسول الله ولاعن أصحابه رضوان الله عليهم أنهم كانوا يتلفّظون بالنيّة ولهذا فالنّطق بها بدعة يُنهى عنه سرًا أو جهرًا.

وهناك قصة على هذا:
يُذكر أن عاميًا من أهل نجد كان في المسجد الحرام أراد أن يصلي صلاة الظهر وإلى جانبه رجل لا يعرف إلا الجهر بالنيّة، ولما أقيمت صلاة الظهر قال الرجل الذي كان ينطق بالنية: اللهم إني نويت أن أصلي صلاة الظهر، أربع ركعات لله تعالى، خلف إمام المسجد الحرام، ولما أراد أن يكبّر قال له العامي: اصبر يا رجل، بقي عليك التاريخ واليوم والشهر والسنة، فتعجّب الرجل.

وهنا مسألة:
اذا قال قائل: قول المُلَبِّي: لبّيك اللهم عمرة، ولبيك حجًا، ولبّيك اللهم عمرة وحجًا، أليس هذا نطقًا بالنّية؟
فالجواب:
لا، هذا من إظهار شعيرة النُّسك، ولهذا قال بعض العلماء: إن التلبية في النسك كتكبيرة الإحرام في الصلاة، فإذا لم تلبِّ لم ينعقد الإحرام، كما أنه لو لم تكبر تكبيرة الإحرام للصلاة ما انعقدت صلاتك. ولهذا ليس من السنّة أن نقول ما قاله بعضهم: اللهم إني أريد نسك العمرة، أو أريد الحج فيسّره لي، لأن هذا ذكر يحتاج إلى دليل ولا دليل.


قوله: (وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى).
والمقصود من هذه النية تمييز العادات من العبادات، وتمييز العبادات بعضها من بعض.

*وتمييز العادات من العبادات مثاله:
- الرجل يأكل الطعام شهوة فقط، والرجل الآخر يأكل الطعام امتثالاً لأمر الله تعالى في قوله: "وَكُلُوا وَاشْرَبُوا"، فصار أكل الثاني عبادة، وأكل الأول عادة.

*تمييز العبادات بعضها من بعض مثاله:
رجل يصلي ركعتين ينوي بذلك التطوع، وآخر يصلي ركعتين ينوي بذلك الفريضة، فالعملان تميزا بالنية، هذا نفل وهذا واجب، وعلى هذا فَقِسْ.

ثم ضرب النبي -عليه الصلاة والسلام- مثلاً بالمهاجر فقال:
(فمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُوْلِهِ فَهِجْرَتُهُ إلَى اللهِ وَرَسُولِهِ)

الهجرة في الشرع: الانتقال من بلد الكفر إلى بلد الإسلام.

وهنا مسألة: هل الهجرة واجبة أو سنة؟
والجواب:
أن الهجرة واجبة على كل مؤمن لا يستطيع إظهار دينه في بلد الكفر، فلا يتم إسلامه إذا كان لا يستطيع إظهاره إلا بالهجرة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. كهجرة المسلمين من مكّة إلى الحبشة، أو من مكّة إلى المدينة.

فالهجرة إلى الله :أي يريد وجه الله ونصرة دين الله، وهذه إرادة حسنة.

ويريد رسول الله: ليفوز بصحبته( في حال حياته)، ويعمل بسنته ويدافع عنها ويدعو إليها والذبّ عنه، ونشر دينه، فهذا هجرته إلى الله ورسوله، والله تعالى يقول في الحديث القدسي مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا فإذا أراد الله، فإن الله تعالى يكافئه على ذلك بأعظم مما عمل.

*وهنا مسألة: بعد موت الرسول هل يمكن أن نهاجر إليه عليه الصلاة والسلام؟
والجواب:
أما إلى شخصه فلا، ولذلك لا يُهاجر إلى المدينة من أجل شخص الرسول ، لأنه تحت الثرى، وأما الهجرة إلى سنّته وشرعه فهذا مما جاء الحث عليه وذلك مثل: الذهاب إلى بلدٍ لنصرة شريعة الرسول والذود عنها.
فالهجرة إلى الله في كل وقت وحين، والهجرة إلى رسول الله لشخصه وشريعته حال حياته، وبعد مماته إلى شريعته فقط.

وقوله: (مَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُوْلِهِ) الجواب: (فَهِجْرَتُهُ إلَى اللهِ وَرَسُولِهِ)
فذكره تنويهًا بفضله، أي بفضل الهجرة هنا.

(وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيْبُهَا أو امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيهِ)
من البلاغة: إخفاء نية من هاجر للدنيا، لقوله: فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ولم يقل: إلى دنيا يصيبها، والفائدة البلاغية في ذلك هي: تحقير ما هاجر إليه هذا الرجل، أي ليس أهلاً لأن يُذكر، بل يُكنّى عنه بقوله: إلى ما هاجر إليه. ففيه تحقير لشأن ما هاجر إليه وهي: الدنيا أو المرأة.

وغداً ان شاء الله سأذكر فوائد الحديث
فوائد الحديث:


1.هذا الحديث أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، ولهذا قال العلماء:مدار الإسلام على حديثين: هما هذا الحديث، وحديث عائشة: مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلِيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدّ فهذا الحديث عمدة أعمال القلوب، فهو ميزان الأعمال الباطنة، وحديث عائشة: عمدة أعمال الجوارح،
مثاله:
رجل مخلص غاية الإخلاص، يريد ثواب الله تعالى ودار كرامته، لكنه وقع في بدع كثيرة. فبالنظر إلى نيّته: نجد أنها نيّة حسنة.
وبالنظر إلى عمله: نجد أنه عمل سيء مردود، لعدم موافقة الشريعة.


2. من فوائد الحديث:الحثّ على الإخلاص لله تعالى، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قسّم الناس إلى قسمين:

قسم: أراد بعمله وجه الله والدار الآخرة.
وقسم: بالعكس، وهذا يعني الحث على الإخلاص لله تعالى.

والإخلاص يجب العناية به والحث عليه، لأنه هو الركيزة الأولى الهامة التي خلق الناس من أجلها، قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ).

3. ومن فوائد الحديث: حسن تعليم النبي عليه الصلاة والسلام وذلك بتنويع الكلام وتقسيم الكلام، لأنه قال: (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ) وهذا للعمل (وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) وهذا للمعمول له.
وكذلك أنه قسم الهجرة إلى قسمين: شرعية وغير شرعية، وهذا من حسن التعليم.

4. من فوائد الحديث: قرن الرسول مع الله تعالى بالواو حيث قال: إلى الله ورسوله ولم يقل: ثم رسوله، مع أن رجلاً قال للرسول : مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ، فَقَالَ: بَلْ مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَه فما الفرق؟
والجواب: أما ما يتعلّق بالشريعة فيعبر عنه بالواو، لأن ما صدر عن النبي عليه الصلاة والسلام من الشرع كالذي صدر من الله تعالى كما قال: (مَنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ).

وأما الأمور الكونية: فلا يجوز أن يُقرن مع الله أحدٌ بالواو أبدًا، لأن كل شيء تحت إرادة الله تعالى ومشيئته.

فإذا قال قائلٌ: هل ينزل المطر غدًا؟
فقيل: الله ورسوله أعلم، فهذا خطأ، لأن الرسول ليس عنده علم بهذا.

وإذا قال: هل هذا حرامٌ أم حلال؟
قيل في الجواب: الله ورسوله أعلم، فهذا صحيح، لأن حكم الرسول عليه الصلاة والسلام في الأمور الشرعية حكم الله تعالى كما قال تعالى : (مَنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ).

مسألة: أيهما أفضل العلم أم الجهاد في سبيل الله؟
والجواب:
العلم من حيث هو علم أفضل من الجهاد في سبيل الله، لأن الناس كلهم محتاجون إلى العلم، وقد قال الإمام أحمد: العلم لا يعدله شيئ لمن صحّت نيّته. ولا يمكن أبدًا أن يكون الجهاد فرض عين لقول الله تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً).

فلو كان فرض عين لوجب على جميع المسلمين: (فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ)أي وقعدت طائفة: (لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ).

لكن باختلاف الفاعل واختلاف الزمن، فقد نقول لشخص: الأفضل في حقّك الجهاد، والآخر الأفضل في حقك العلم، فإذا كان شجاعًا قويًا نشيطًا وليس بذاك الذكاء فالأفضل له الجهاد؛ لأنه أليَق به، وإذا كان ذكيًا حافظًا قوي الحجة فالأفضل له العلم وهذا باعتبار الفاعل. أما باعتبار الزمن فإننا إذا كنّا في زمن كثر فيه العلماء واحتاجت الثغور إلى مرابطين فالأفضل الجهاد، وإن كنّا في زمن تفشّى فيه الجهل وبدأت البدع تظهر في المجتمع وتنتشر فالعلم أفضل، وهناك ثلاثة أمور تحتّم على طلب العلم:

1. بدع بدأت تظهر شرورها.
2. الإفتاء بغير علم.
3. جدل كثير في مسائل بغير علم، إذا لم يكن مرجّحًا فالأفضل العلم.


5. ومن فوائد الحديث: أن الهجرة هي من الأعمال الصالحة لأنها يقصد بها الله ورسوله، وكل عمل يقصد به الله ورسوله فإنه من الأعمال الصالحة لأنك قصدت التقرّب إلى الله والتقرب إلى الله هو العبادة.


انتهى شرح الحديث الأول.

يتبع</div>

بنت ابوها
09-05-2004, 07:08 PM
<div align="center">الحديث الثاني


الجزء الأول


عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أَيضًا قَال: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوْسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيْدُ بَيَاضِ الثِّيَاب شَدِيْدُ سَوَادِ الشَّعْرِ لاَ يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلاَ يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ حَتَّى جَلَسَ إِلَى النبي صلى الله عليه وسلم فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلاَم، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: الإِسْلاَمُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَ أَنَّ مُحَمَّدًَا رَسُولُ الله،وَتُقِيْمَ الصَّلاَة، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُوْمَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ البيْتَ إِنِ اِسْتَطَعتَ إِليْهِ سَبِيْلاً قَالَ: صَدَقْتَ. فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِيْ عَنِ الإِيْمَانِ، قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِالله،وَمَلائِكَتِه،وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ،وَالْيَوْمِ الآَخِر،وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِيْ عَنِ الإِحْسَانِ، قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ، قَالَ: مَا الْمَسئُوُلُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ قَالَ: فَأَخْبِرْنِيْ عَنْ أَمَارَاتِها، قَالَ: أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرى الْحُفَاةَ العُرَاةَ العَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُوْنَ فِي البُنْيَانِ ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثَ مَلِيًَّا ثُمَّ قَالَ: يَا عُمَرُ أتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟ قُلْتُ: اللهُ وَرَسُوله أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّهُ جِبْرِيْلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِيْنَكُمْ)

الشرح
إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ) الرجل هنا مبهم، وهو رجل في شكله لكن حقيقته أنه مَلَك.

(شَدِيْدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ) أي عليه ثياب .

(شَدِيْدُ سَوَادِ الشَّعْرِ) أي أنه شاب.

(لا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ) لأن ثيابه بيضاء وشعره أسود ليس فيه غبار ولا شعث السفر.

(وَلا يَعْرِفْهُ مِنَّا أَحَدٌ): فهو غريب.

(حَتَّى جَلَسَ إِلىَ النبي صلى الله عليه وسلم) ولم يقل عنده ليفيد الغاية، أي أن جلوسه كان ملاصقًا للنبي عليه الصلاة والسلام .

ولهذا قال: (أَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلىَ رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ) أي كفي هذا الرجل (عَلَىَ فَخِذَيْهِ) أي فخذي هذا الرجل، وليس على فخذي النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا من شدة الاحترام.

(وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ) ولم يقل: يا رسول الله ليوهم أنه أعرابي، لأن الأعراب ينادون النبي باسمه العلم.

(أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ الله وَأَنَّ مُحَمَّدًَا رَسُولُ اللهِ) تشهد أي تقرّ وتعترف بلسانك وقلبك.

وهنا مسألة:
لماذا جُعِلَ هذان ركنًا واحدًا، ولم يجعلا ركنين؟.
والجواب:
أن الشهادة بهذين تبنى عليها صحة الأعمال كلها، لأن شهادة ألا إله إلا الله تستلزم الإخلاص، وشهادة أن محمدًا رسول الله تستلزم الاتباع، وكل عمل يتقرب به إلى الله لا يقبل إلا بهذين الشرطين: الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله.

مسألة:
هل هذه الشهادة تُدخِل الإنسان في الإسلام ؟
والجواب:
نعم تدخله في الإسلام حتى لو ظننا أنه قالها تعوّذًا،فإننا نعصم دمه وماله؛ ولو ظننّا أنه قالها كاذبًا، ودليل ذلك قصة المشرك الذي أدركه أسامة بن زيد رضي الله عنهما حين هرب المشرك، فلما أدركه أسامة بالسيف قال: لا إله إلا الله، فقتله أسامة ظنًّا أنه قالها تعوّذًا من القتل، أي قالها لئلا يقتل فقتله، فلما أخبر بذلك النبي جعل يردد: (أَقَتَلتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلا الله؟ قَالَ: يَا رَسُوْلَ اللهِ إِنَّمَا قَالَهَا تَعَوُّذًَا، فجعل يردد: أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟ قال أسامة: فتمنيت أنني لم أكن أسلمت بعد) من شدة ما وجد رضي الله عنه.

وعلى هذا فالكافر يدخل في الإسلام بمجرّد أن يقول: لا إله إلا الله، فإذا كان يقولها لكنه ينكر رسالة النبي فلابد أن يضيف إليها شهادة أن محمدًا رسول الله، وفي الحديث الشريف: (اُدْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله وَأَنَّيْ رَسُوْلُ الله) قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وقد عُلم بالاضطرار من دين الرسول واتفقت عليه الأمة: أن أول ما تؤمر به الخلق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فبذلك يصير الكافر مسلمًا وإذا كان مسلمًا وشهد أن لا إله إلا الله ومات على ذلك فإنه يكفي لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (مَنْ كَانَ آخِرُ كَلامِهِ مِنَ الدُّنْيَا لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله دَخَلَ الجَنَّة) وإنما اكتفي بلا إله إلا الله لأن هذا الميت يقر بأن محمدًا رسول الله وليس عنده فيها إشكال.

شهادة أن لا إله إلا الله تستلزم:
إخلاص العبادة لله، ويسمى هذا النوع من التوحيد توحيد الألوهية، ويسمّى توحيد العبادة، لأن معنى لاإله إلا الله أي لا معبود حقّ إلا الله، إذا لا تعبد غير الله، فمن قال: لاإله إلا الله وعبد غير الله فهو كاذب، إذْ ان هذه الشهادة تستلزم إخلاص العبادة لله عزوجل وطرد الرياء والفخر وما أشبه ذلك.


شهادة أن محمدًا رسول الله تستلزم أمورًا منها:
الأول:
تصديقه فيما أخبر، بحيث لا يكون عند الإنسان تردد فيما أخبر به، لا نشك فيه، ونعلم أنه الحق، لكن بيننا وبينه مفاوز وهو السند، لأن النبي عليه الصلاة والسلام ليس أمامنا لكن إذا ثبت الحديث عن الرسول وجب علينا تصديقه، سواء علمنا وجهه أم لم نعلمه، أحيانًا تأتي أحاديث نعرف المعنى لكن لانعرف وجهها، فالواجب علينا التصديق.

الثاني:امتثال أمره ولا نتردد فيه لقول الله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِم) ولهذا أقول: من الخطأ قول بعضهم: إنه إذا جاءنا الأمر من الله ورسوله بدأ يتساءل فيقول: هل الأمر للوجوب أو للاستحباب؟ كما يقوله كثير من الناس اليوم، وهذا السؤال لا يجب طرحه وأن لا يورد؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم إذا أمرهم النبي عليه الصلاة والسلام لم يكونوا يقولون يا رسول الله: هل الأمر للوجوب أو الأمر للاستحباب أو غير ذلك؟ بل كانوا يمتثلون ويصدقون بدون أن يسألوا. نقول: لا تسأل وعليك بالامتثال، أنت تشهد أن محمدًا رسول الله فافعل ما أمرك به.
وفي حالة ما إذا وقع الإنسان في مسألة وخالف الأمر، فهنا له الحق أن يسأل هل هو للوجوب أو لغير الوجوب، لأنه إذا كان للوجوب وجب عليه أن يتوب منه لأنه خالف، وإذا كان لغير الوجوب فأمره سهل.

ثالثًا :أن يجتنب ما نهى رسول الله عليه الصلاة والسلام عنه بدون تردد، لا يَقُلْ: هذا ليس في القرآن فيهلك، لأننا نقول: ما جاء في السنة فقد أمر القرآن باتباعه. ولقد حذّر النبي من هذا وأمثاله الذي يقول هذا ليس في القرآن فقال: "لاَ ألْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ عَلَى أَرِيْكَتِه أي جالسًا متبخترًا متعاظمًا يَأْتِيْهِ الأَمْرُ مِنْ عِنْدِيْ فَيَقُولُ مَا أَدْرِيْ، مَا كَانَ فِيْ كِتَابِ اللهِ اِتَّبَعْنَاهُ" أي وما لم يكن لا نتبعه.

رابعًا :أن لا يقدم قول أحدٍ من البشر على قول النبي عليه الصلاة والسلام ، وعلى هذا لايجوز أن تقدم قول فلان - الإمام من أئمة المسلمين - على قول الرسول عليه الصلاة والسلام لأنك أنت والإمام يلزمكما اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام. وماأعظم قول من إذا حاججته وقلت: قال رسول الله ، قال: لكن الإمام فلان قال كذا وكذا، فهذه عظيمة جدًا، ذُكِر عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: يُوْشكُ أَن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول قال رسول الله وتقولون قال أبوبكر وعمر ومن إمام هذا الرجل المجادل بالنسبة إلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.

خامسًا :أن لا يبتدع في دين الله مالم يأتِ به الرسول عليه الصلاة والسلام، سواء عقيدة، أو قولاً، أو فعلاً، وعلى هذا فجميع المبتدعين لم يحققوا شهادة أن محمدًا رسول الله، لأنهم زادوا في شرعه ماليس منه، ولم يتأدبوا مع الرسول عليه الصلاة والسلام.

سادسًا : أن لا يبتدع في حقه ماليس منه، وعلى هذا فالذين يبتدعون الاحتفال بالمولد ناقصون في تحقيق شهادة أن محمدًا رسول الله، لأن تحقيقها يستلزم أن لاتزيد في شريعته ماليس منه.

سابعًا :أن تعتقد بأن النبي عليه الصلاة والسلام ليس له شيء من الربوبية، أي أنه لا يُدعى، ولا يُستغاث به إلا في حياته فيما يقدر عليه، فهو عبد الله ورسوله : (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) وبهذا نعرف ضلال من يدعون رسول الله، وأنهم ضالون في دينهم، سفهاء في عقولهم، إذ إن النبي لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا فكيف يملك لغيره؟
فمن الضلال البيّن أن يستغيث أحدٌ برسول الله عليه الصلاة والسلام، بل هذا من الشرك، فلو جاء إنسان مهموم مغموم إلى قبر النبي وقال: يا رسول الله أغثني فإني مهموم مغموم، فيكون هذا مشركًا شركًا أكبر، لأنه دعا رسول الله عليه الصلاة والسلام، ودعوة الميت أن يغيثك أو يعينك شرك، لأنه غير قادر، فهو جسد وإن كانت الروح قد تتصل بالجسد في القبر لكن هو جسد، وهذا لا ينافي أن يكون حيًّا في قبره حياة برزخية لا تشبه حياة الدنيا.

ثامنًا:
احترام أقواله عليه الصلاة والسلام، بمعنى أن يحترم أقوال النبي عليه الصلاة والسلام فلاتضع أحاديثه عليه الصلاة والسلام في أماكن غير لائقة، لأن هذا نوع من الامتهان، ومن ذلك: أن لا ترفع صوتك عند قبره، وقد سمع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلين قدما من الطائف فجعلا يرفعان أصواتهما في مسجد النبي فقال: لَوْلاَ أَنَّكُمَا مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ لأَوْجَعْتُكُمَا ضَرْبًَا.

(َتُقِيْمَ الصَّلاةَ) أي تأتي بها قائمة تامة معتدلة. ولاتكون قويمة إلا بفعل شروطها وأركانها وواجباتها -وهذا لابد منه- وبمكملاتها، فهذا يكون أكمل.

(وتصوم رمضان) : وننبه الى شيء مهم بالنسبة للمفطرات وهي:
أن المفطرات لا تفطر الصائم إلا بثلاث شروط:
أن يكون عالماً
وأن يكون ذاكراً
وأن يكون مريداً

أما بالنسبة لباقي أركان الإسلام، فهي واضحة لا داعي لشرحها

يتبع

ملاحظة
الشروح منقولة من أشرطة لشرح الشيخ "محمد بن صالح العثيمين" رحمه الله
بالإضافة الى ذلك سأقوم بوضع الفوائد المأخوذة من كل حديث، حسب ما أوردها الشيخ.</div>

بنت ابوها
09-07-2004, 12:28 AM
<div align="center">الحديث الثاني
الجزء الثاني

تابع الشرح:

(قَالَ: فَأَخْبِرني عَنِ الإِيمَانِ)
والإيمان في اللغة:
هو الإقرار والاعتراف المستلزم للقبول والإذعان وهو مطابق للشرع.
وأما قولهم: الإيمان في اللغة التصديق ففيه نظر، لأنه يقال: آمنت بكذا وصدقت فلانًا ولايقال: آمنت فلانًا، بل يقال: صدقه، فصدق فعل متعدٍ، وآمن فعل لازم

وقولنا: الإيمان المستلزم للقبول والإذعان احترازًا مما لو أقر لكن لم يقبل كأبي طالب عم النبي عليه الصلاة والسلام ، حيث أقر بالنبي عليه الصلاة والسلام وأنه صادق لكن لم يقبل ماجاء به ولم يُذعن ولم يتابع، فلم ينفعه الإقرار.
ولذلك يخطأ خطًأ كبيرًا من يقول: إن أهل الكتاب مؤمنون بالله، وكيف يكون ذلك وهم لم يقبلوا شرع الله ولم يذعنوا له.
(أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ
الإيمان بالله يتضمن أربعة أشياء:
الأول:الإيمان بوجوده سبحانه وتعالى. فمن أنكر الله تعالى فليس بمؤمن.
الثاني:الإيمان بانفراده بالرّبوبية، أي تؤمن بأنه وحده الرّب وأنه منفرد بالربوبية، والرب هو الخالق المالك المدبر.
الثالث:إيمان بانفراده بالألوهية، وأنه وحده الذي لا إله إلا هو لاشريك له، فمن ادعى أن مع الله إلهًا يُعبد فإنه لم يؤمن بالله، فلابد أن تؤمن بانفراده بالألوهية، وإلا فما آمنت به.
الرابع:
أن تؤمن بأسماء الله وصفاته بإثبات ما أثبته سبحانه لنفسه في كتابه، أو سنة رسوله عليه الصلاة والسلام من الأسماء والصفات على الوجه اللائق به من غير تحريف، ولاتعطيل ولاتكييف، ولا تمثيل، فمن حرّف آيات الصفات أو أحاديث الصفات فإنه لم يحقق الإيمان بالله .

ومثاله:
قال قومٌ: "الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى" استولى، ومعناه شرعًا ولغة: علا وارتفع على العرش، لكنه علوّ خاص، ليس العلوّ العام على جميع المخلوقات. فهذا الذي فسّر (اسْتَوَى) بـ: استولى لم يحقق الإيمان بالله، لأنه نفى صفة أثبتها الله لنفسه، والواجب إثبات الصفات.

ومن قال:"لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ" أي بقدرتيَّ، أو: بقوتيَّ وليس لله يد حقيقة لم يحقق الإيمان بالله، لو حقق الإيمان بالله لقال: لله تعالى يد حقيقية لكن لاتماثل أيدي المخلوقين، كما قال الله تعالى:"لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء" لأننا لا نحدث عن الله إلا على حسب ما أخبرنا الله به عن نفسه، فإذا كنّا لايمكن أن نتحدث عن شخص لم نرهُ وإن كان عندنا في البلد، فكيف نتحدث عن الله تعالى بلاعلم.

ومن مسائل الأسماء والصفات التي حصل فيها خلاف معنى حديث:أَنَّ اللهَ خَلَقَ آَدَمَ عَلَى صُوْرَتِهِ وضجّوا وارتفعت أصواتهم وكثرت مناقشاتهم، كيف خلق آدم على صورته؟
فحرّفه قومٌ تحريفًا مشينًا مستكرهًا، وقالوا: معنى الحديث: خَلَقَ اللهُ آدم على صورته أي على صورة آدم - الله المستعان - هل يمكن لأفصح البشر وأنصح البشر أن يريد بالضمير ضمير المخلوق، بمعنى خلق آدم على صورته أي على صورة آدم ؟ لايمكن هذا، لأن كل مخلوق فقد خلق على صورته، وحينئذ لافضل لآدم على غيره. فهذا هراء لامعنى له، أتدرون لما قالوا هذا التأويل المستكره المشين؟
قالوا: لأنك لو قلت إنها صورة الرب عزّ وجل لمثّلت الله بخلقه، لأن صورة الشيء مطابقة له ، وهذا تمثيل .

وجوابنا على هذا أن نقول : لو أعطيت النصوص حقها لقلت خلق الله آدم على صورة الله ، لكن ليس كمثل الله شيء.

فإن قال قائل: اضربوا لنا مثلاً نقتنع به ، أن الشيء يكون على صورة الشيء وليس مماثلاً له ؟
والجواب نقول:
ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الجَنَّةَ عَلَى صُوْرَةِ القَمَرِ لَيْلَةِ البَدْرِ ثُمَّ الَّذِيْنَ يَلوُنَهُمْ عَلَى أَضْوَءِ كَوْكَبٍ فِي السَّمَاءِ) فهل أنت تعتقد أن هؤلاء الذين يدخلون الجنة على صورة القمر من كل وجه أو تعتقد أنهم على صورة البشر لكن في الوضاءة والحسن والجمال واستدارة الوجه وما أشبه ذلك على صورة القمر، لا من كل وجه، فإن قلت بالأول فمقتضاه أنهم دخلوا وليس لهم أعين وليس لهم أفواه، وإن قلت بالثاني؛ زال الإشكال وثبت أنه لايلزم من كون الشيء على صورة الشيء أن يكون مماثلاً له من كل جه.

فالمهم أن باب الصفات بابٌ عظيمٌ، خطره جسيم، ولا يمكن أن ينفك الإنسان من الورطات والهلكات التي يقع فيها إلا باتباع السلف الصالح، أثبت ما أثبته الله تعالى لنفسه، وانْفِ مانفى الله عن نفسه، فتستريح.
أكرر: احذروا باب الصفات أن تخوضوا في شيءٍ لم يتكلم فيه السلف الصالح.
يقول بعض العلماء: من لم يسعه ما وسع الصحابة والتابعين فلا وسّع الله عليه.

قوله: (وَمَلائِكَتِهِ)
بدأ بالملائكة قبل الرسل والكتب لأنهم عالم غيبي، أما الرسل والكتب فعالم محسوس، فالملائكة لا يظهرون بالحس إلا بإذن الله تعالى، وقد خلق الله الملائكة من نورٍ، كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام وهم لا يحتاجون إلى أكل وشرب، ولهذا قيل إنهم صمدٌ أي ليس لهم أجواف، فنؤمن أن هناك عالمًا غيبيًّا هم الملائكة.
وهم أصناف، ووظائفهم أيضًا أصناف حسب حكمة الله تعالى كالبشر أصناف ووظائفهم أصناف.

والإيمان بالملائكة يتضمّن:
أولاً :الإيمان بأسماء من علمنا أسماءهم.
ثانيًا:
أن نؤمن بما لهم من أعمال، مثلاً:
ميكائيل: موكل بالقطر أي المطر، والنبات أي نبات الأرض.
وإسرافيل: موكل بالنفخ في الصور .

كذلك يجب الإيمان بما لبعض الملائكة من أعمال خاصة،
فمثلاً: هناك ملائكة وظائفهم أن يكتبوا أعمال العباد، قال الله تعالى:"مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ"
وآخرون موكلون بالسياحة في الأرض يلتمسون حِلَق الذّكر والعلم فإذا وجدوها جلسوا.
وآخرون موكلون بحفظ بني آدم.
وآخرون موكلون بتلقّي المؤمنين يوم القيامة:"وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ"
وآخرون موكلون بتحية أهل الجنة
وآخرون يعبدون الله تعالى ليلاً ونهارًا، قال عليه الصلاة والسلام: (أَطَّتِ السَّماءُ وَحَقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَامِنْ مَوْضِعِ أَرْبَعِ أَصَابِع مِنْهَا إِلاَّ وَفِيْهِ مَلَكٌ قَائِمٌ لِلَّهِ أَوْ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِد).

(وَكُتُبِهِ)والإيمان بالكتب يتضمّن أربعة أمور:
أولاً:أن نؤمن بأن الله تعالى أنزل على الرسل كتبًا، وأنها من عند الله ولكن لانؤمن بأن الكتب الموجودة في أيدي هذه الأمم هي الكتب التي من عند الله لأنها محرّفة ومبدلة.
ثانيًا:أن نؤمن بصحة ما فيها من أخبار كأخبار القرآن وأخبار ما لم يبدل أو يحرّف من الكتب السابقة.
ثالثًا:
أن نؤمن بما فيها من أحكام إذا لم تخالف الشريعة على القول بأن شرع من قبلنا شرع لنا - وهو ا لحق - إذا لم يرد شرعنا بخلافه.
رابعًا:أن نؤمن بما علمنا من أسمائها، مثل: القرآن والتوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وصحف موسى.


(وَرسُلِهِ)وأول الأنبياء هو آدم عليه السلام،
أما أول الرسل فهو نوح عليه السلام، والدليل قول الله تعالى: "إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنبيين مِنْ بَعْدِهِ"

وإذا قال قائل: ما الفائدة من النبي بعد آدم عليه السلام إذا كان لم يؤمر بالتبليغ ؟
قلنا الفائدة:
تذكير الناس بالشريعة التي نسوها، وفي هذا لا يكون الإعراض من الناس تامًا فلا يحتاجون إلى رسول، ويكفي النبي الذي يذكرهم بالشريعة.

والرسل أفضل من الأنبياء، ثم الرسل أفضلهم خمسة هم أُوُلو العزم، وأفضلهم محمد صلى الله عليه وسلم، والثاني: إبراهيم الخليل عليه السلام يلي مرتبة النبي عليه الصلاة والسلام.

وقوله: (واليوم الآخِرِ)وهو يوم القيامة، وسمِّي آخرًا لأنه آخر مراحل بني آدم وغيرهم أيضًا، فالإنسان له أربع دور:
في بطن أمه،
وفي الدنيا،
وفي البرزخ،
ويوم القيامة وهو آخرها.

الإيمان باليوم الآخر يتضمّن:
أولاً:
الإيمان بوقوعه، وأن الله يبعث من في القبور
ثانيًا:
الإيمان بكل ماذكره الله في كتابه وما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام مما يكون في ذلك اليوم الآخر، من كون الناس يحشرون يوم القيامة حفاة عراة غرلاً بهمًا، أي ليس معهم مال
ثالثًا:
الإيمان بما ذكر في اليوم الآخر من الحوض والشفاعة والصراط والجنة والنار
رابعًا:
الإيمان بنعيم القبر وعذابه

وهنا ننبّه على ما نسمعه من قول بعض الناس أو نقرأه في بعض الصحف إذا مات إنسان قالوا: انتقل إلى مثواه الأخير.
وهذا غلط عظيم، ولولا أننا نعلم مراد قائله لقلنا: إنه ينكر البعث، لأنه إذا كان القبر مثواه الأخير،فهذا يتضمن إنكار البعث، فالمسألة خطيرة لكن بعض الناس إمّعة، إذا قال الناس قولاً أخذ به وهو لايتأمل في معناه.

(وَتُؤْمِنُ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرّهِ)
وهنا أعاد الفعل: (تؤمن) لأهمية الإيمان بالقدر

والإيمان بالقدر يتضمّن أربعة أمور:الأول:أن تؤمن بعلم الله المحيط بكل شيء جملة وتفصيلاً.
ثانيًا:الإيمان بأن الله تعالى كتب في اللوح المحفوظ، مقادير كل شيء إلى يوم القيامة القيامة، قال الله تعالى:"وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ"أي في كتاب.
واللوح المحفوظ لانعرف ماهيته، ولانعرف حجم هذا اللوح ولاسعته، فالله أعلم بذلك والواجب أن نؤمن بأن هناك لوحًا كتب الله فيه مقادير كل شيء، وليس لنا الحق أن نبحث وراء ذلك.
ثالثًا:
أن تؤمن بأن كل ما حدث في الكون فهو بمشيئة الله تعالى.
وإذا آمن الإنسان بهذا سلم من عمل الشيطان، فإذا فعل فعلاً وحصل خلاف المقصود، قال ليتني لم أفعل، فهذا من عمل الشيطان، لأن الذي فعلته قد شاءه الله عزّ وجل ولابد أن يكون، لكن إن كان ذنبًا فعليك بالتوبة والاستغفار.
رابعًا:
الإيمان بأن الله سبحانه وتعالى خلق كل شيء، قال تعالى:"وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا"
حتى حركات الإنسان مخلوقة لله، لأن الله تعالى خلق الإنسان وأفعاله، وإذا كان هو مخلوقًا فصفاته وأفعاله مخلوقة ولا شك، وإن كانت باختيار العباد وإرادتهم لكنها مخلوقة لله، وذلك لأن أفعال العباد ناشئةعن إرادة جازمة وقدرة تامة، وخالق الإرادة والقدرة هو الله سبحانه وتعالى.

وهل صفات الله مخلوقة ؟
الجواب: لا، لأن صفاته سبحانه وتعالى كذاته كما أن صفات الإنسان كذات الإنسان مخلوقة.

يتبع</div>

بنت ابوها
09-07-2004, 12:42 AM
<div align="center">الحديث الثاني
الجزء الثالث والاخير
تابع الشرح:

ثم قال: (أخْبِرْني عَنِ الإِحْسَانِ)الإحسان: هو بذل الخير

والإحسان في حق الخالق: بأن تبني عبادتك على الإخلاص لله تعالى والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلما كنت أخلص وأتبع كنت أحسن.

وأما الإحسان للخلق: فهو بذل الخير لهم من مال أو جاه أو غير ذلك.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (الإحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ)
وعبادة الله لا تتحقق إلابأمرين وهما:
1- الإخلاص لله
2-المتابعة لرسول الله عليه الصلاة والسلام،

(كأنك تراه):
أي عبادة الإنسان ربه سبحانه كأنه يراه عبادة طلب وشوق
وعبادة الطلب والشوق يجد الإنسان من نفسه حاثًّا عليها، لأنه يطلب هذا الذي يحبه، فهو يعبده كأنه يراه، فيقصده وينيب إليه ويتقرّب إليه سبحانه وتعالى.

(فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ) أي:
اعبده على وجه الخوف ولا تخالفه، لأنك إن خالفته فإنه يراك فتعبده عبادة خائف منه، هارب من عذابه وعقابه، وهذه الدرجة عند أهل العبادة أدنى من الدرجة الأولى.

فصار للإحسان مرتبتان: مرتبة الطلب، ومرتبة الهرب.

مرتبة الطلب: أن تعبد الله كأنك تراه.

ومرتبة الهرب: أن تعبد الله وهو يراك عزوجل فاحذره، كما قال تعالى: "وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ"،
وبهذا نعرف أن الجملتين متباينتان والأكمل الأول، ولهذا جعل النبي عليه الصلاة والسلام الثاني في مرتبة ثانية متأخرة.

(قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل)ولهذا يجب علينا أن نكذب كل من حدد عمر الدنيا في المستقبل، ومن قال به أو صدق به فهو كافر.
وما نسمع عن بعض أهل الشعوذة أن عمر الدنيا كذا وكذا قياسًا على ما مضى منها فإنه يجب علينا أن نقول بألسنتنا وقلوبنا كذبتم، ومن صدّق بذلك فهو كافر، لأنه إذا كان أعلم الرسل البشرية وأعظم الرسل الملكية كلاهما لا يعرفان متى تكون فمن دونهما من باب أولى بلا شك.

ثم قال: (أخْبِرْنِي عَنِ أَمَارَاتِهَا):
أي علامات قربها

(قال:أَنْ تَلِدَ الأمَةُ رَبّتَهَا) وفي لفظ: ربَّهَا
والمعنى: أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ أي الرقيقة المملوكة رَبَّهَا أي سيدها، أو: ربَّتَهَا

هل المراد العين أو الجنس؟
والجواب: اختلف في هذا العلماء.
فمنهم من قال: المراد أن تلد الأمة ربها، يعني أن تلد الأمة من يكون سيدًا لغيرها لا لها، فيكون المراد بالأمة: الأمة بالجنس.
وقيل المعنى: إن الأمة بالعين تلد سيدها أو سيدتها، بحيث يكون الملك قد أنجب منها، فيكون هذا الولد الذي أنجبته سيدًا لها: إما لأن أباه سيدها، وإما لأنه سوف يخلف أباه فيكون سيدًا لها.

ولكن المعنى الأول أقوى،
أن الإماء يلدن -من يكونوا أسيادًا ومالكين، فهي كانت مملوكة في الأول، وتلد من يكونوا أسيادًا مالكين. وهو كناية عن تغير الحال بسرعة، ويدل لهذا ماذكره بعد حيث قال:

(وَأَنْ تَرَى الحُفَاةَ العُرَاةَ العَالَةَ)
الحفاة: يعني ليس لهم نعال،
والعراة: أي ليس لهم ثياب تكسوهم وتكفيهم،
العالة: أي فقراء.

(يَتَطَاوَلُوْنَ في البُنْيَانِ):أي يكونون أغنياء حتى يتطاولون في البنيان أيهم أطول.

وهل المراد بالتطاول ارتفاعًا، أو جمالاً، أو كلاهما؟
الجواب: كلاهما، أي يتطاولون في البنيان أيهم أعلى، ويتطاولون في البنيان أيهم أحسن، وهم في الأول فقراء لا يجدون شيئًا، لكن تغير الحال بسرعة مما يدل على قرب الساعة.

(ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَليًّا)
يعني بقيت مليًا أي مدة طويلة

(ثُمَّ قَالَ: يَاعُمَرُ)
والقائل هو النبي عليه الصلاة والسلام.

انتهى شرح الحديث الثاني</div>

بنت ابوها
09-07-2004, 12:43 AM
<div align="center">الحديث الثاني
الجزء الثالث والاخير
تابع الشرح:

ثم قال: (أخْبِرْني عَنِ الإِحْسَانِ)الإحسان: هو بذل الخير

والإحسان في حق الخالق: بأن تبني عبادتك على الإخلاص لله تعالى والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلما كنت أخلص وأتبع كنت أحسن.

وأما الإحسان للخلق: فهو بذل الخير لهم من مال أو جاه أو غير ذلك.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (الإحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ)
وعبادة الله لا تتحقق إلابأمرين وهما:
1- الإخلاص لله
2-المتابعة لرسول الله عليه الصلاة والسلام،

(كأنك تراه):
أي عبادة الإنسان ربه سبحانه كأنه يراه عبادة طلب وشوق
وعبادة الطلب والشوق يجد الإنسان من نفسه حاثًّا عليها، لأنه يطلب هذا الذي يحبه، فهو يعبده كأنه يراه، فيقصده وينيب إليه ويتقرّب إليه سبحانه وتعالى.

(فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ) أي:
اعبده على وجه الخوف ولا تخالفه، لأنك إن خالفته فإنه يراك فتعبده عبادة خائف منه، هارب من عذابه وعقابه، وهذه الدرجة عند أهل العبادة أدنى من الدرجة الأولى.

فصار للإحسان مرتبتان: مرتبة الطلب، ومرتبة الهرب.

مرتبة الطلب: أن تعبد الله كأنك تراه.

ومرتبة الهرب: أن تعبد الله وهو يراك عزوجل فاحذره، كما قال تعالى: "وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ"،
وبهذا نعرف أن الجملتين متباينتان والأكمل الأول، ولهذا جعل النبي عليه الصلاة والسلام الثاني في مرتبة ثانية متأخرة.

(قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل)ولهذا يجب علينا أن نكذب كل من حدد عمر الدنيا في المستقبل، ومن قال به أو صدق به فهو كافر.
وما نسمع عن بعض أهل الشعوذة أن عمر الدنيا كذا وكذا قياسًا على ما مضى منها فإنه يجب علينا أن نقول بألسنتنا وقلوبنا كذبتم، ومن صدّق بذلك فهو كافر، لأنه إذا كان أعلم الرسل البشرية وأعظم الرسل الملكية كلاهما لا يعرفان متى تكون فمن دونهما من باب أولى بلا شك.

ثم قال: (أخْبِرْنِي عَنِ أَمَارَاتِهَا):
أي علامات قربها

(قال:أَنْ تَلِدَ الأمَةُ رَبّتَهَا) وفي لفظ: ربَّهَا
والمعنى: أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ أي الرقيقة المملوكة رَبَّهَا أي سيدها، أو: ربَّتَهَا

هل المراد العين أو الجنس؟
والجواب: اختلف في هذا العلماء.
فمنهم من قال: المراد أن تلد الأمة ربها، يعني أن تلد الأمة من يكون سيدًا لغيرها لا لها، فيكون المراد بالأمة: الأمة بالجنس.
وقيل المعنى: إن الأمة بالعين تلد سيدها أو سيدتها، بحيث يكون الملك قد أنجب منها، فيكون هذا الولد الذي أنجبته سيدًا لها: إما لأن أباه سيدها، وإما لأنه سوف يخلف أباه فيكون سيدًا لها.

ولكن المعنى الأول أقوى،
أن الإماء يلدن -من يكونوا أسيادًا ومالكين، فهي كانت مملوكة في الأول، وتلد من يكونوا أسيادًا مالكين. وهو كناية عن تغير الحال بسرعة، ويدل لهذا ماذكره بعد حيث قال:

(وَأَنْ تَرَى الحُفَاةَ العُرَاةَ العَالَةَ)
الحفاة: يعني ليس لهم نعال،
والعراة: أي ليس لهم ثياب تكسوهم وتكفيهم،
العالة: أي فقراء.

(يَتَطَاوَلُوْنَ في البُنْيَانِ):أي يكونون أغنياء حتى يتطاولون في البنيان أيهم أطول.

وهل المراد بالتطاول ارتفاعًا، أو جمالاً، أو كلاهما؟
الجواب: كلاهما، أي يتطاولون في البنيان أيهم أعلى، ويتطاولون في البنيان أيهم أحسن، وهم في الأول فقراء لا يجدون شيئًا، لكن تغير الحال بسرعة مما يدل على قرب الساعة.

(ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَليًّا)
يعني بقيت مليًا أي مدة طويلة

(ثُمَّ قَالَ: يَاعُمَرُ)
والقائل هو النبي عليه الصلاة والسلام.

انتهى شرح الحديث الثاني</div>

موسى بن ربيع البلوي
09-07-2004, 01:21 AM
س1
لا نتستطيع امام هذا الجهد الا ان نقول

جزاك الله خيرا

بنت ابوها
09-08-2004, 12:04 AM
<div align="center">فوائد الحديث:

هذا الحديث فيه فوائد كثيرة، فلو أراد الإنسان أن يستنبط مافيه من الفوائد منطوقًا ومفهومًا وإشارة لكتب مجلدًا، لكن نشير إشارة قليلة إلى ما يحضرنا إن شاء الله تعالى، فمنها:

1. جواز جلوس الأصحاب إلى شيخهم ومن يفوقهم، لكن هذا بشرط: إذا لم يكن فيه إضاعة وقت على الشيخ ومن يفوقه علمًا.

2. إن الملائكة عليهم السلام يمكن أن يتشكلوا بأشكال غير أشكال الملائكة،
فإن قال قائل: وهل هذا إليهم، أو إلى الله عزوجل؟
فالجواب:
هذا إلى الله عزوجل، بمعنى: أنه لايستطيع الملك أن يتزيَّى بزيّ الغير إلا بإذن الله عزوجل.

3. الأدب مع المعلم كما فعل جبريل عليه السلام، حيث جلس أمام النبي عليه الصلاة والسلام جلسة المتأدب ليأخذ منه.

4. جواز التورية لقوله: (يا مُحَمَّد) وهذه العبارة عبارة الأعراب، فيوري بها كأنه أعرابي، وإلا فأهل لمدن المتخلقون بالأخلاق الفاضلة لا ينادون الرسول عليه الصلاة والسلام بمثل هذا.

5. فضل الصلاة وأنها مقدمة على غيرها بعد الشهادتين، والحث على إقامة الصلاة، وفعلها قويمة مستقيمة، وأنها ركن من أركان الإسلام.

ولو قائل قال: إذا ترك الإنسان واحدًا من هذه الأركان هل يكفر أم لا؟
فالجواب:
أن نقول: إذا لم يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله فهو كافر بالإجماع، ولا خلاف في هذا.
وأما الصلاة والزكاة والصيام والحج
أن هذه الأربعة لا يكفر تاركها إلا الصلاة، وهو الصواب لقول عبد الله بن شقيق -رحمه الله- كان أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام لايرون شيئًا من الأعمال تركه كفرٌ إلا الصلاة ولذلك أدلة معروفة.

سؤال: إذا ترك ركن من أركان الإسلام عمدًا فهل يقضيه أو لا ؟
أما الصلاة: لو تركها حتى خرج وقتها بلا عذر قلنا لا يقضيها، وعليه أن يكثر من الطاعات والاستغفار والعمل الصالح والتوبة إلى الله توبة نصوحًا، وليس عليه قضاء لأن المُوقّت لا يقضى.
وأما الزكاة: إذا تركها الإنسان ثم تاب فإنه يزكي، لأنه ليس للزكاة وقت محدد.
ومن مات وهو لم يزكِّ تهاونًا، فهل تخرج الزكاة من ماله، أم لا؟
والجواب:الأحوط -والله أعلم- أن الزكاة تخرج، لأنه يتعلق بها حق أهل الزكاة فلا تسقط، لكن لا تبرأ ذمته، لأن الرجل مات علىعدم الزكاة.

والحج، لوتركه الإنسان القادر المستطيع تفريطًا حتى مات، فإنه لا يحج عنه، لأنه لا يريد الحج فكيف تُحج عنه وهو لا يريد الحج.
وهل يجب على ورثته أن يخرجوا الحج عنه من تركته؟
والجواب:لا، لأنه لا ينفعه ولم يتعلق به حق الغير كالزكاة، قال ابن القيم في تهذيب السنن: هذا هو الذي ندين الله به أوكلمة نحوها، وهو الذي تدل عليه الأدلة.
فيجب على الإنسان أن يتقي الله تعالى لأنه إذا مات ولم يحج مع قدرته على الحج فإنه لوحُجَّ عنه ألف مرة لم تبرأ ذمته.

6. الانتقال من الأدنى إلى الأعلى، فالإسلام بالنسبة للإيمان أدنى، لأن كل إنسان يمكن أن يسلم ظاهرًا، كما قال الله تعالى: "قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا" لكن الإيمان -اللهم حقق إيماننا- ليس بالأمر الهين فمحله القلب والاتصاف به صعب.

7. أن من أنكر واحدًا من أركان الإيمان الستة فهو كافر، لأنه مكذّب لما أخبر به رسول الله عليه الصلاة والسلام.

8. إثبات الملائكة وأنه يجب الإيمان بهم.
وهنا مسألة: هل الملائكة أجسام، أم عقول، أم قوى؟
والجواب:
الملائكة أجسام بلا شك، كما قال الله تعالى: "جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ" وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (أطت السماء) والأطيط: صرير الرحل، أي إذا كان على البعير حمل ثقيل، تسمع له صريرًا من ثقل الحمل، فيقول عليه الصلاة والسلام: (وحق لها أن تئط، مَا مِنْ مَوْضِعِ أَرْبَعِ أَصَابِع إِلاَّ وَفِيْهِ مَلَكٌ قَائِمٌ للهِ أَوْ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِد) ويدل لهذا حديث جبريل عليه السلام: أنه له ستمائة جناح قد سد الأفق، والأدلة على هذا كثيرة.
وأما من قال: إنهم أرواح لا أجسام لهم، فقوله منكر وضلال، وأشد منه نكارةً من قال: إن الملائكة كناية عن قوى الخير التي في نفس الإنسان، والشياطين كناية عن قوى الشر، فهذا من أبطل الأقوال.

9. أنه لابد من الإيمان بجميع الرسل، فلو آمن أحد برسوله وأنكر من سواه فإنه لم يؤمن برسوله، بل هو كافر، واقرأ قول الله تعالى: "كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ" مع أنهم إنما كذبوا نوحًا ولم يكن قبله رسول، لكن تكذيب واحد من الرسل تكذيب للجميع. وكذلك تكذيب واحد من الكتب في أنه نزل من عند الله تكذيب للجميع.

10. أن تؤمن بالقدر خيره وشره، والإيمان بالقدر معترك عظيم من زمن الصحابة إلى زماننا هذا، وسبق لنا أن له مراتب أربع وهي: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق، فلنتكلم عن كل واحد منها تفصيلاً، وذلك لأهميته:

المرتبة الأولى: العلم
بأن تؤمن بأن الله عزوجل عالم بكل شيء جملة وتفصيلاً مما يتعلق بفعله بنفسه كالخلق والإحياء أو بفعل عباده، والأدلة على هذا كثيرة، قال الله تعالى: "َاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" وقال تعالى: "أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ"، وهي الأدلة المجملة.
وأما التفصيل ففي آية الأنعام قوله: "وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ"

المرتبة الثانية : الكتابة وهي أنواع :
1.الكتابة العامة في اللوح المحفوظ، كتب الله تعالى كل شيء.
2. الكتابة العُمريّة، وهي أن الجنين في بطن أمه إذا تم له أربعة أشهر بعث الله إليه الملك الموكل بالأرحام، وأمرَ أن يكتب: أجله ورزقه وعمله وشقي أو سعيد. فهذه كتابة عمرية لأنها مقيدة بالعمر، أي تكتب مرة واحدة، ولا يعاد كتابتها.
.3 الكتابة الحولية، وهي التي تكون ليلة القدر، كما قال الله تعالى: "فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ" يعني يبيّن ويفصل "كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ" وليس أمر من أمر الله إلا وهو حكيم.
وذكر بعضهم: كتابة يومية، واستدل لذلك بقوله تعالى: "يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ"، ولكن الآية ليست واضحة في هذا المعنى.

وهنا مسألة: هل الكتابة تتغير أو لا تتغير؟
الجواب:
يقول رب العالمين عزوجل: "يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ" أي اللوح المحفوظ ليس فيه محو ولا كتاب، فما كتب في اللوح المحفوظ فهو كائن ولا تغيير فيه، لكن ما كتب في الصحف التي في أيدي الملائكة فهذا: "يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ" قال تعالى: "إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ"
وفي هذا المقام يُنكَرُ على من يقولون: (اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه) فهذا دعاء بدعي باطل، فإذا قال: (اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه) معناه أنه مستغن، أي افعل ما شئت ولكن خفف وهذا غلط، فالإنسان يسأل الله تعالى رفع البلاء نهائيًا فيقول مثلاً: اللهم عافني، اللهم ارزقني وما أشبه ذلك.
وإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام قال: (لاَ يَقُلْ أَحَدُكُمُ اللَّهَمَّ اِغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ) فقولك: (لا أسألك رد القضاء، ولكن أسألك اللّطف فيه) أشد.
واعلم أن الدعاء قد يرد القضاء، كما جاء في الحديث: (لاً يَرُدُّ القَدَرَ إِلاَّ الدُّعَاءُ).

المرتبة الثالثة : المشيئة :ومعناها: أن تؤمن بأن كل كائن وجودًا أو عدمًا فهو بمشيئة الله، كالمطر، والجفاف، ونبات الأرض، والإحياء، والإماتة، وهذا لا إشكال فيه، وهو مشيئة الله عزوجل لفعله، وكذلك ما كان من فعل المخلوق فهو أيضًا بمشيئة الله، ودليل ذلك قوله تعالى: (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)، وأجمع المسلمون على هذه الكلمة: (ماشاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.) ففعل العبد بمشيئة الله.
ويرد إشكال وهو إذا كان فعل العبد بمشيئة الله صار الإنسان مجبرًا على العمل، لأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فيؤدي هذا الاعتقاد إلى مذهب الجبرية، وهو مذهب الجهمية.
ولهذا فقول القائل: إذا كان كل شيء بمشيئة الله وبكتابة الله، فنحن مجبرين على أعمالنا؛ قولٌ لايخفى مافيه من الفساد، لأنه إذا كان الإنسان مجبرًا وفعل الفعل ثم عُذب عليه، ولهذا لو حدث من بشر لصاح الناس به، فكيف بالخالق عزوجل؟
ولذلك يعتبر هذا القول من أبطل الأقوال، ونحن نشعر بأنهم لايجبرون على الفعل ولا على الترك، وأننا نفعل ذلك باختيارنا التام.
وبهذا التقرير يبطل هذا الاستفهام الحادث المحدث، هل الإنسان مسير أو مخير؟
وهذا سؤال غير وارد وعلى من يسأل هذا السؤال أن يسأل نفسه: هل أجبره أحد على أن يسأل هذا السؤال؟ وكلٌّ يعرف أن الإنسان مخير لا أحد يجبره، فعندما أحضر من بيتي إلى المسجد هل أشعر بأن أحدًا أجبرني؟ لا، فالإنسان مخيّر لا شك، لكن ما يفعله الإنسان نعلم أنه مكتوب من قبل، ولهذا نستدل على كتابة الله تعالى لأفعالنا وإرادته لها وخلقه لها بعد وقوعها، أما قبل الوقوع فلا ندري، ولهذا قال الله عزوجل: "وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ"، فإذا كان هذا هو الواقع بالنسبة للمشيئة: أن الله تعالى يشاء كل شيء لكن لا يجبر العباد، بل العباد مختارون فلا ظلم حينئذ، ولهذا إذا وقع فعل العبد من غير اختيار رُفِع عنه الإثم، إن كان جاهلاً أو مكرهًا أو ناسيًا، فإنه يُرفع عنه الإثم لأنه لم يختره.


وذكر أن سارقًا رفع إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأمر بقطع يده، فقال: مهلاً يا أمير المؤمنين، والله ما سرقت إلا بقدر الله، وهذا جواب صحيح، فقال عمر: ونحن لا نقطعك إلا بقدر الله، فغلبه عمر رضي الله عنه، بل نقول: إننا نقطع يده بقدر الله وشرع الله، فالسارق سرق بقدر الله، لكن لم يسرق بشرع الله، ونحن نقطع يده بقدر الله وشرع الله، ولكن عمر سكت عن مسألة الشرع من أجل أن يقابل هذا المحتج بمثل حجته.
فتبين الآن أن الاحتجاج بالقدر على المعاصي باطل، والاحتجاج بالقدر على فوات المطلوب باطل أيضًا، ولذلك نرى الناس الآن يتسابقون إلى الوظائف باختيارهم ولا يفوتونها، ولو أن الإنسان تقاعس ولم يتقدم لامه الناس على هذا، مما يدل دلالة واضحة على أن الإنسان له إرادة وله اختيار.
والأمر والحمد لله واضح، ولولا ما أثير حول القضاء والقدر لكان لا حاجة إلى البحث فيه لأنه واضح جدًا، وأنه لا حجة بالقدر على المعاصي ولا على ترك الواجبات.

المرتبة الرابعة: الخلق :فكل مافي الكون فهو مخلوق لله تعالى، بالنسبة لما يحدثه الله تعالى من فعله فهو واضح: كالمطر وإنبات الأرض وما أشبه ذلك، فهو مخلوق لله تعالى لا شك.

لكن بالنسبة لفعل العبد ، هل هو مخلوق لله أم لا؟
الجواب:نعم مخلوق لله، فحركات الإنسان وسكناته كلها مخلوقة لله، ووجه ذلك:
أولاً: أن الله عزوجل خلق الإنسان وأعطاه إرادة وقدرة بهما يفعل، فسبب إيجاد العبد لما يوجده الإرادة الجازمة والقدرة التامة، وهاتان الصفتان مخلوقتان لله، وخالق السبب خالق للمسبب.
ثانيًا: أن الإنسان إنسان بجسمه ووصفه، فكما أنه مخلوق لله بجسمه فهو مخلوق له بوصفه، ففعله مخلوق لله عزوجل، كما أن الطول والقصر والبياض والسواد والسمن والنحافة كلها مخلوقة لله فهكذا أيضًا أفعال الإنسان مخلوقة لله،لأنها صفة من أوصافه، وخالق الأصل خالق للصفة.

ومن فوائد هذا الحديث:
11. أن القدر ليس فيه شر، وإنما الشر في المقدور، وتوضيح ذلك بأن القدر بالنسبة لفعل الله كله خير، ويدل لهذا: قول النبي عليه الصلاة والسلام: (وَالشّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ) أي لا ينسب إليك، لأن الشر المحض لا يقع إلا من الشرير، والله تعالى خير وأبقى.

إذًا كيف نوجّه وتؤمن بالقدر خيره وشرّه؟
الجواب:أن نقول: المفعولات والمخلوقات هي التي فيها الخير والشر، أما أصل فعل الله تعالى وهو القدر فلا شرّ فيه،
مثال ذلك: قول الله عزوجل: " ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ" هذا بيان سبب فساد الأرض، وأما الحكمة فقال: "لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ" إذن هذه مصائب من جدب في الأرض ومرض أو فقر، ولكن مآلها إلى خير، فصار الشرّ لا يضاف إلى الرب، لكن يضاف إلى المفعولات والمخلوقات مع أنها شر من وجه وخير من وجه آخر، فتكون شرًا بالنظر إلى ما يحصل منها من الأذية، ولكنها خير بما يحصل منها من العاقبة الحميدة "لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ".

فإذا قال قائل: لماذا قدر الله الشر؟
فالجواب:
أولاً: ليُعرف به الخير.
ثانيًا: من أجل أن يلجأ الناس إلى الله تعالى.
ثالثًا: من أجل أن يتوبوا إلى الله.
فكم من إنسان لا يحمله على الورد ليلاً أو نهارًا إلا مخافة شرور الخلق، فتجده يحافظ على الأوراد لتحفظه من الشرور، فهذه الشرور في المخلوقات لتحمل الإنسان على الأذكار والأوراد وما أشبهها، فهي خير.

ولنضرب مثلاً في رجل له ابن مشفق عليه تمامًا، وأصيب الابن بمرض وكان من المقرر أن يكوى هذا الابن بالنار، ولا شك أن النار مؤلمة للابن، لكن الأب يكويه لما يرجو من المصلحة بهذا الكي، مع أن الكي في نفسه شر، لكن نتيجته خير.
وإذا علمت أن فعل الله عزوجل الذي هو فعله كله خير اطمأننت إلى مقدور الله عزوجل واستسلمت تمامًا، وكنت كما قال الله عزوجل: "وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ" قال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم.
والإنسان إذا رضي بالقدر حقًا استراح من الحزن والهم.
وفي تقدير المخلوقات الشريرة حكمة: وهي حتى يعلم الناس بذلك قدرة الله عزوجل، وأن الأمور كلها بيده.

12. عظم الساعة، ولهذا جاءت لها أمارات وعلامات حتى يستعد الناس لها -رزقنا الله وإياكم الاستعداد لها-.

13.أن السائل عن العلم يكون معلمًا لمن سمع الجواب، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (فإنه جبريل أَتَاكُم يُعَلِّمُكُمْ دِيْنَكُمْ) مع أن الذي علمهم النبي عليه الصلاة والسلام لكن لما كان سؤال جبريل هو السبب جعله هو المعلم.</div>

ماهر سالم العرادي
06-18-2005, 05:53 PM
جزاك الله خير