بسم الله الرحمن الرحيم

هاجر اثنان من اليهود لمكة قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم منتظرين رسول الله واليهود الذين كانوا في مكة هاجروا إلى المدينة منتظرين رسول الله ، فأما اليهودي الأول الذي كان في مكة ففي شهر ربيع الأول قال لهم :

{يا أهل مكة سيولد في هذا الشهر نبىُّ هذه الأمة ، فكلُّ من يولد له مولودٌ يأتينى ويخبرني به ، فكلما ولد عند أحدهم مولود ، ذهب إليه فيقول له : ليس هذا ، ومن فضل الله على البشرية في العام الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه جعل النساء في جميع بقاع الأرض يحملنَّ ذكوراً ..، إكراماً لرسول الله صلى الله عليه وسلم}[1]

أما عن الليلة التي ولد فيها الرسول فسيدنا موسى قد أعطاهم أوصافها ، فقال لهم في هذه الليلة ستقوم النجوم بعمل مظاهرة كبيره وتنزل إلى الأرض في مظاهرة طالعة نازله ، وتستمر حتى أن الناس سيظنون أن القيامة اقتربت ، ولذلك فإن الكاهن اليهودي عندما نظر النجوم قال لهم :

{يا معشر قريش ظهر الليلة نجم أحمد ، من ولد له مولود الليلة فليخبرني ، فـذهب كل رجل يسأل أهله ، فقالوا لا يوجد غير زوجة عبد الله هي التي ولدت هذه الليلة فـذهب إليها ، وعندما رآه – وكان ما زال في مكان ولادته – أغمى عليه في الحال وقال : يا للهوان لليهود ، قالوا له : لماذا ؟ قال : ذهبت النبوة من اليهود إلى بني إسماعيل عليه السلام}[2]

أما الرجل الثاني فقد ذهب إليه عبد المطلب ليخبره ، فخرج إليه ، وعندما رآه بالباب قال له {هذه الليلة ولد نبي هذه الأمة ، كن أباه} [3]

وهكذا فكلهم كانوا يعرفون ميعاده ووقته وعلاماته صلوات الله وسلامه عليه ولذلك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ولد كانت الآيات في ولادته واضحات جليات ليس فيها شك ، ففي الليلة التي ولد فيها كان أول الآيات التي ظهرت أنهم :

{رأوا الكعبة ترتعش ، وترتجف ، وظلت ترتجف لمدة ثلاثة أيام ، وسمعوها وهي تقول : الحمد لله آن أوان خلاصي من الأصنام ، آن أوان اصطفائي بعبادة الواحد الأحد سبحانه وتعالى}[4]

في هذه الليلة أيضاً {لم يوجد ملك من ملوك الأرض ، جالساً على كرسيه، إلا وزلزلت الأرض تحته ، وانكفأ من على كرسيه ، وكلما يحاول الجلوس على الكرسي ينكفئ به الكرسي مرة أخرى ، وهكذا}[5]

وكان هذا إيذاناً بأن الملوك انتهى زمانهم ، لأنه قد جاء زمان نور رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فملك الفرس سقط من إيوانه أربع عشرة شرفة مرة واحدة ، وكانت عنده نار منذ ألف سنة لم تنطفئ قط ، فانطفأت في تلك اللحظة ، وكلما أوقدوها تنطفئ

وفي ذات الوقت كان عنده بحيرة ضخمة جداً مقدسة ، والطفل الذي يولد يذهبون به إليها ليغمسوه فيها ليصبح مباركاً ، وفي هذا اليوم مياه هذه البحيرة جفت فأصبح الصباح على الملك وهو مهموم ، فظلَّ يسأل عن هذا السر العلماء والكهان ، وهم لا يجدون جواباً ، إلى أن ذهبوا إلى سطيح الكاهن فقال لهم {إن نبى آخر الزمان ، الذي سيكون على يديه نهاية ملككم ظهر ، قالوا كم بقى له؟ قال : سيجلس منكم ملوك وملكات بعدد الشرفات}[6]

أي أربعة عشر ملكاً ، فقالوا : إلى أن يملك هذا العدد تمر قرون ، وتفنى أمم ، وتبيد دول ، ولكن من قدرة الله أن توَّلى عشرة ملوك منهم في أربع سنوات ، والأربعة الآخرون ظلوا حتى عصر سيدنا عثمان ، حيث قضى فيه على دولة الفرس نهائياً ، وانتشر فيها نور النبي العدنان صلوات الله وسلامه عليه

وفي هذه الليلة أيضاً ليلة ميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلم {لم يوجد صنم في العالم أجمع ، إلا انكفأ على وجهه ، حتى الأصنام التي حول الكعبة ، وكان عددها ثلاثمائة وستين صنماً ، وكانوا مشدودين بأوتاد من الرصاص في الأرض ، ومع ذلك فإنهم خروا على وجوههم ، وكلما أقاموهم خروا ثانية}[7]

وفي هذه الليلة أيضاً ركب الجبَّار سبحانه وتعالى مدفعية صاروخية مضادة للشياطين ، فكل شيطان يصعد إلى السماء ليستمع ، يخرج له صاروخ يجرى خلفه ، ولا يتركه إلا ويقضى عليه بأمر الله

{حتى أن الشياطين من دهشتهم، أتوا إبليس وسألوه ماذا حدث ؟ فقال لهم ولد الليلة مولود تكون نهايتنا على يديه ، فقالوا له : اذهب إليه وخلصنا منه ، فذهب إبليس إلى رسول الله - وقد ولد - وأراد أن يضربه ، فضربه جبريل برجله ضربة خرج منها من مكة حتى وقع في عدن في جنوب اليمن ، ونجَّاه الله من هذا الشيطان}[8]

وقبل ولادته صلى الله عليه وسلم أصاب مكة والجزيرة العربية كلها قحط شديد لجفاف الماء ، فذوى الزرع ، ونضب الضرع ، ولما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء الحيا ، فهطلت السحب بالماء ، وسحَّت السماء بالخيرات .، فأنبتت النباتات ، وشبعت الحيوانات ببركة رسول الله صلى الله عليه وسلم}[9]

هذه الإرهاصات - أي المعجزات - كثيرة وكثيرة جداً والمعجزات التي بعد ميلاده أكثر وأكثر وأكثر ، لأنه نور الله وحبيب الله وصفى الله صلوات الله وسلامه عليه ولما آن الأوان لوضعه صلوات الله وسلامه عليه :

{نطقت الحيوانات التي في مكة كلها بلسان عربي فصيح ، وذهبت تبشِّر بعضها بعضاً بميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيقول كل : أبشر ، جاء رسول الأمان ، جاء رسول السلام ، جاء رسول الختام ، الذي يخرج الله سبحانه وتعالى به الناس من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان}[10]

وهذا الكلام شاهدوه ، وعرفوه ، ولذلك عندما قال رسول الله لأبى جهل {ألا تَعْرِفُ أنَّى نَبِىٌّ؟ ، قَالَ : أعْرفُ وَنَحْنُ نَعِرِفُ عَلامَاتِك ، لكِنْ نَحْنُ نكذِّبُ بالذي جِئْتَ بِهِ} وهذا ما أخبر عنه الله في قوله {فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ} الأنعام33

فالذي منعهم من الإيمان به الحقد والحسد ، وهذا ما حكاه الله عنهم في قوله {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ{31} أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ} الزخرف

فلما آن أوان وضعه {رأت السيدة آمنة من يقول لها في المنام ، قولي إذا وضعتيه : أعيذه بالواحد من شر كل ذي حاسد وسمِّيه محمدا ، وأعطاها صفيحة من الفضة مكتوب عليها هذه الكلمات : أعيذه بالواحد من شر كل ذي حاسد ، وقال علقيها في رقبتك حتى تضعيه فعلقيها له}[11]

فلما جاء الأوان ، كان من إرادة الله أن يأتيها الميلاد في غفلة {وهي وحيدة بالمنزل ، وليس معها أحد ، ولكنها فوجئت بأربع نسوة ، واحدة احتضنتها وقالت لها أسندي ظهرك إلىّ ، وواحدة أحضرت لها شربة ماء ، وقالت لها اشربي هذه الشربة ، قالت : فشربت هذه الشربة ، فوجدتها أحلى من الشهد وألين من الزبد وأبرد من الثلج ، فلما شربت منها قالت لها تزودي - أي اشربي مرة أخرى - ، والثالثة وضعت يديها على بطنها ، وقالت : باسم الله أخرج سالما بإذن الله

فقالت لهن من أنتن ؟ ، واحدة قالت : أنا مريم ابنة عمران ، والثانية قالت : أنا آسية بنت مُزاحم ، ومن معنا هؤلاء من الحور العين ، جئن ليشهدن ميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه اللحظة ، ونظرت في سقف الحجرة فوجدت نجوم نازلة من السماء ، ووجدت طيور خضراء واقفة مستعدة ترفرف بأجنحتها ، حتى لا تنزل قطرة من دمها على الأرض فتعلقها إذا نزلت مع سَلا ( خلاص ) رسول الله صلى الله عليه وسلم

ونظرت أيضاً فوجدت طستا وبجواره إبريق من فضة مليء بالماء ، وبجواره رجال يلبسون ملابس بيضاء ، ويغطون وجوههم حتى لا تستحي منهم عندما تراهم ، لأنهم في انتظار مهمتهم التي بعد ذلك : وهى أنهم يغسلونه ، ويشقون بطنه ، ثم يطوفون به في ملك. الله وملكوته الأعلى ، فبعد مولده فوراً ، شقوا بطنه وغسلوها

وأخذه سيدنا جبريل تحت جناحه ، وطار به في السموات والأراضين ، وسمعته هو وملك آخر - وهو إسرافيل - يقول : طوفوا به في مشارق الأرض ومغاربها ، وأدخلوه البحار ليعرفوه بنعته ، واسمه ، وصفته ، وأدخلوه الغابات لتعرفه الوحوش ، وأدخلوه الجنات ، وأدخلوه عالم الملكوت ، فطاف به في عالم الملكوت كله في ساعة من الزمن}[12]

كل هذه الأمور حدثت في لحظة ميلاده صلى الله عليه وسلم ، ولذا فالأئمة الكرام استحسنوا أننا عندما يذكر ميلاد رسول الله ، نقوم {وقوفا}تعظيماً لميلاد رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ، لأن هذا مسك الختام ، ونبي الختام

{فالسيدة آمنة ، وهي وحيدة في حجرتها ، منفردة كعادتها ، أتاها الطلق ، ثم رأت نوراً ، رأت على هذا النور مشارق الأرض ومغاربها ، وقالت : رأيت ثلاثة أعلام مضروبات ، علماً على رأس الكعبة ، وعلماً في المشرق ، وعلماٌ في المغرب ، ثم أخذني المخاض فولدت محمدا}[13]


[1] رواه أبو نعيم والسيوطي في الخصائص عن عمرو بن قتيبة [2] رواه ابن سعد والحاكم وأبو نعيم بسند حسن عن عائشة [3] أخرجه أبو نعيم وابن عساكر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده [4] أخرجه أبو نعيم والسيوطي في الخصائص عن عمرو بن قتيبة [5] أخرجه أبو نعيم عن ابن عباس [6] رواه الإمام البيهقي وأبو نعيم والخرائطى في الهواتف وابن عساكر عن طريق مخزوم بن هاني المخزومي عن أبيه [7] أخرجه أبو نعيم عن ابن عباس [8] أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره عن عكرمة [9] أخرجه أبو نعيم عن عمرو بن قتيبة [10] أخرجه أبو نعيم عن ابن عباس [11] خرجه الحاكم وصححه والبيهقي عن خالد بن معدان [12] أخرجه أبو نعيم عن ابن عباس [13] أخرجه أبو نعيم عن ابن عباس




منقول من كتاب ( حديث الحقائق على قد سيد الخلائق )
للشيخ فوزى محمد ابو زيد
يمكنكم تحميل الموضوع مجانا
من الموقع الرسمى للشيخ فوزى محمد ابو زيد
قسم المولفات المطبوعه