مفاجأة خطيرة تكشف القصة الحقيقية لاعتقال صدام حسين

الرئيس المعتقل أخضع لتحقيقات قاسية في مركز 'C.I.A' بولاية 'فرُينيا' والمحققون

فشلوا في الحصول علي أية معلومات

امتنع عن توريط بعض القادة العرب أو الإقرار بوجود أسلحة الدمار الشامل مقابل الإفراج عنه
رفض الإفصاح عن مكان اختفاء ألفي دبابة ومئات الطائرات العراقية

صدام : 'لن أبيع بلدي ولو وقفت وحيدا ولو خانني كل الرفاق والأصدقاء ولو أعلن الشعب العراقي التبرؤ مني'

مفاجأة خطيرة تكشف القصة الحقيقية لاعتقال صدام حسين

الرئيس المعتقل أ ïخضع لتحقيقات قاسية في مركز 'C.I.A' بولاية 'فرُينيا' والمحققون فشلوا في الحصول علي أية معلومات

امتنع عن توريط بعض القادة العرب أو الإقرار بوجود أسلحة الدمار الشامل مقابل الإفراج عنه
رفض الإفصاح عن مكان اختفاء ألفي دبابة ومئات الطائرات العراقية
صدام : 'لن أبيع بلدي ولو وقفت وحيدا ولو خانني كل الرفاق والأصدقاء ولو أعلن الشعب العراقي التبرؤ مني'

تحقيق : مصطفي بكري و محمود بكري

في ساعة مبكرة من صباح الأحد الماضي 14 ديسمبر وجه الحاكم الأمريكي في العراق بول بريمر الدعوة إلي عدد محدود من أعضاء مجلس الحكم الانتقالي، كان اللقاء سريا وغير معلن، وكان ضمن الحاضرين عدنان الباجه جي رئيس المجلس وموفق الربيعي وآخرون.
بدا بول بريمر منتشيا، تحدث معهم بكل ثقة 'لقد ألقينا القبض علي صدام حسين، وهو الآن بحوزتنا'.. لم يصدق الحاضرون الخبر، بدت الدهشة علي وجوههم واضحة، كانت الأسئلة تلاحق بول بريمر، هل هذا الكلام صحيح؟ متي حدث؟ وكيف وأين؟ هل تأكدتم أنه فعلا صدام وليس شبيها له؟
بعد قليل اصطحبهم بول بريمر إلي مكان سري، يا للهول.. إنه فعلا صدام حسين، كان الرجل يبدو كأسد جريح، لحية طويلة غير مهذبة، شعر الرأس يبدو مبعثرا وكأن الرجل خرج لتوه من كهف سحيق.. نظر صدام حسين إلي أعضاء مجلس الحكم باستهانة، ووضع رجلا علي رجل في مواجهتهم وراح يوجه شتائمه إليهم.
سألوه عن مواقفه، حاولوا استدراجه في الحديث إلا أن إجاباته كانت مقتضبة، وتتميز بالسخرية وتعبر عن مواقف عنيدة يرفض الرئيس أن يتراجع عنها.
خرج أعضاء مجلس الحكم من الاجتماع وكأنهم يشاهدون حلما لا يصدق، معقول، إنه فعلا صدام حسين، نفس اللغة، نفس الثبات، نفس القدرة علي المقارعة.. فقط عينان زائغتان، تغوصان في المجهول وكأن الرجل قد أجبر علي تناول حبوب مخدرة.
بعد قليل بدأ الخبر يتسرب، جرت الاتصالات بطالباني في إيران، لم يتمهل، كان أول من أعلن الخبر من طهران ثم راحت وكالة الأنباء الإيرانية تبث الخبر إلي العالم.. تكهربت الأجواء الإعلامية، أعلنت حالات الاستنفار، الكل يتساءل، يستفسر، المحطات الفضائية بدأت تعد الأفلام الوثائقية، تجري الاتفاقات مع المحللين السياسيين انتظارا للحظة الإعلان.
بعد قليل راحت الأخبار تتدفق، مصادر مجلس الحكم الانتقالي تعلن أنها علي يقين من صحة الخبر، مصادر في البنتاجون لا تستبعد، ثم خرج توني بلير ليهنئ العراقيين بالقبض علي صدام.
انتظر الصحفيون لحظة الإعلان الأمريكي، وجاء الخبر: بول بريمر سيعقد وإلي جواره قائد القوات الأمريكية في العراق الجنرال ريكاردو سانشيز ورئيس مجلس الحكم الانتقالي بالنيابة عدنان الباجة جي مؤتمرا صحفيا في الثانية من ظهر الأحد بتوقيت القاهرة.
وفي الثانية ظهرا كان بول بريمر يعلن النبأ، انفجرت القاعة صراخا وهتافا، فقد بعض الإعلاميين الذين جيء بهم أعصابهم وراحوا يرقصون بصورة هزلية.. فتح الباب أمام الأسئلة وكانت المفاجأة: صدام حسين يظهر في شريط فيديو جري عرضه أمام وسائل الإعلام.
نعم..إنه هو صدام حسين، نفس العينين، ملامح الوجه، حركة الرأس ذاتها، كل شيء يقول إن هذا الرجل هو صدام حسين.. وحتي اللحية الكثيفة لم تقف عائقا أمام التعرف عليه.
راح العالم يضرب أخماسا في أسداس، وكالات الأنباء والصحف ووسائل الإعلام تطرح تساؤلاتها، تفتح أبوابها للمحللين، بينما الشارع العربي راح ينقسم بين من يقول إن هناك أسرارا في الأمر.. ربما كان شبيهه، أو ربما كان هو بالفعل، ولكن عملية اعتقاله سبقت الإعلان بكثير..
كان عليٌ أن أبحث وأن أجري الاتصالات، شكلت أنا وشقيقي محمود فريق عمل، كل منا يمضي، ساعات طوالا، اتصالات بجهات عربية وعراقية، ومعلومات من الولايات المتحدة، تجمعت خيوط الصورة كاملة، كانت حزمة الأوراق ثمينة للغاية، كان سباقنا مع الزمن عظيما، والآن أضحي المشهد كاملا وها نحن نخطه علي الورق لتنفرد 'الأسبوع' بتفاصيل القصة الحقيقية للقبض علي الرئيس صدام حسين.

كان بول بريمر قد حدد سلفا موعدا لأحد المسئولين الدوليين لاستقباله في بغداد، وصل المسئول، لكنه لم يجد بول بريمر، لقد أبلغ أن بريمر استدعي علي عجل لمقابلة الرئيس جورج بوش في الولايات المتحدة.
أبدي المسئول الدولي غضبه، إن بريمر لم يقدم له حتي مجرد اعتذار، لقد أبدي الرجل دهشته من هذا السلوك المتعجرف وأبلغ غضبته إلي من التقوه ليبلغوه اعتذار بريمر.
كان العنوان المعلن لهذا الحدث أن الرئيس الأمريكي جورج بوش استدعي بريمر علي عجل للبحث عن خطة لنقل السلطة إلي العراقيين بعد تدهور الأوضاع الأمنية والسياسية علي الساحة العراقية، وقيل في هذا الأمر كلام كثير.
انطلقت طائرة خاصة من مطار بغداد تقل بول بريمر ومعه وبشكل غير معلن بعض القادة العسكريين وكان هناك علي الطائرة 'الرئيس صدام حسين'.
انطلقت الطائرة من مطار بغداد لنقل مستقليها إلي البيت الأبيض في واشنطن، لم يكن أحد يعرف باستثناء قلائل أن هذا الشخص الذي جري التعمية علي مظهره هو صدام حسين. في هذا الوقت أشاع الأمريكيون في كل مكان كثيرا من الأخبار حول طرق البحث عن صدام ورسائل صدام وأعوان صدام وخطورة صدام.
كانت أخبارا متعمدة ومعدة سلفا، ولكن لم يسأل أحد لماذا توقفت رسائل صدام حسين إلي شاشات التلفاز منذ هذا الوقت؟!
وكانت آخر رسالة بثتها قناة 'العربية' بصوت صدام حسين قد أذيعت خلال شهر رمضان، وهي رسالة يبدو أنها أعدت سابقا، وأن عملية بثها في هذا الوقت الذي كان فيه صدام في أيدي القوات الأمريكية هو الذي أثار أعضاء مجلس الحكم العراقي الذين تلقوا توجيهات من بول بريمر بإغلاق مكاتب قناة 'العربية' في بغداد عقابا لها علي بث هذا الشريط الذي أعاد صدام لدائرة الفعل، بالرغم من أنه كان بأيدي الأمريكان.


كان خبر مقتل عدي وقصي نجلي صدام حسين وحفيده مصطفي في يوليو الماضي بمثابة الصدمة للأب، لم يصدق الرئيس ما جري، كان يظن أن قراره بإبعادهم عنه يعني توفير الحماية لهم، لكنهم سلموا من قبل الرجل الذي ظن أنه سيحميهم واستشهد الثلاثة في معركة اثبتوا فيها صلابة منقطعة النظير.. اهتز وجدان الأب، ظل أسبوعا كاملا يرفض تناول الطعام، كان كثيرا ما يهذي بكلمات غير مفهومة.
منذ هذا الوقت بدأت القيادة العسكرية الأمريكية في العراق أولي خطوات الخطة الجديدة للبحث عن صدام حسين واعتقاله، كانت الخطة تحت اشراف مباشر من الجنرال ريكاردو سانشيز يعاونه في ذلك الجنرال أودرينو قائد الفرقة الرابعة.
قامت الخطة علي افتراض يقول: إن صدام سيحاول اللجوء إلي عشيرته وإلي بلدته تكريت من أجل الاحتماء بها، خاصة أن الكثير من أفراد الحرس والمرافقين الشخصيين للرئيس بدءوا يبتعدون عن نطاق مكان صدام بعد مقتل نجليه وراحوا يمارسون مهامٌ أخري، فانضم بعضهم إلي فرق المقاومة الميدانية بينما راح آخرون ينظمون أجهزة جمع المعلومات لصالح المقاومة.
كان صدام محبطا من جراء استشهاد نجليه وحفيده، لكنه كان مصمما علي الاستمرار مهما كان الثمن، كان يقاوم الاحباط بكل ما يملك وراح يبعث بشريط إلي قناة 'العربية' ينعي فيه ولديه ويعلن استمرار المقاومة حتي النصر.
كانت البداية الأولي عندما تم اعتقال ثلاثة من مساعدي صدام الرئيسيين وهم من الحرس الشخصي له، وكانوا علي قدر كبير من الأهمية، لأنهم كانوا معنيين بتحركات صدام وكذلك المخابيء السرية التي كان يزورها قبل سقوط بغداد، وكان ذلك أمرا مهما للأمريكيين لأنهم كانوا يعتقدون أن هذه المخابيء توجد تحت القصور الرئاسية، بذلوا الكثير من الجهد من أجل كشف أسرار هذه المخابيء إلا أنهم فشلوا.
وكانت الفرقة الرابعة والجنود الأمريكيون يقومون بتفتيش هذه القصور الرئاسية مرتين في اليوم الواحد احتمالا لوصول صدام إليها في أية لحظة، وكانت القصور المستهدفة حوالي 20 قصرا، أكثرها أهمية تلك القريبة من نهر دجلة.
وأمام هذه المعضلة بدأ سيمون دارايز أحد أبرز قيادات ال'سي. آي. إيه' في العراق في وضع خطة جديدة لاعتقال صدام.
كان دارايز يري أن صدام لن يتعمد المرور في المخابيء السرية لهذه القصور لأنه يعلم جيدا أن القوات الأمريكية تفرض حصارا من السياج الأمني القوي علي هذه القصور، وأن أفراد حرسه الشخصيين الذين تم القبض عليهم أدلوا بمعلومات تفصيلية عن المخابيء السرية في هذه القصور أثناء العمليات العسكرية الأمريكية علي العراق وأنه يعلم أن الأمريكيين عرفوا جيدا هذه المعلومات، وأن صدام لن يكون من الغباء بحيث يستخدم هذه المخابيء مرة أخري، خاصة أن صدام معروف بالذكاء وإجادة التمويه والتغطية علي تحركاته، كما أنه يعرف جيدا طبيعة الأراضي العراقية.
وقد كتب سيمون دارايز هذا التقرير في أغسطس الماضي وأكد في تقريره أن الأماكن التي من المحتمل أن يتواجد فيها صدام لن تخرج عن أحد مكانين:
إما في منزل أسرة بعيدة عن بغداد وأنه يثق في هذه الأسرة كثيرا وهي قادرة علي حمايته.
وإما أنه في منطقة مهجورة وغير مأهولة بالسكان وأن صدام أعد لنفسه مخبأ في هذه المنطقة وأن هذا المخبأ سيكون بالقرب من عشيرته وبلدته تكريت.
وكان دارايز يري أن صدام حسين لايمكن أن يكون قد غادر العراق فهذا احتمال بعيد من خلال معرفة شخصية صدام التي تأبي الهروب.
ورأي دارايز بضرورة التركيز علي الحرس الشخصي ومرافقي صدام الذين يعرفون تحركاته في الفترة القادمة، وكانت الخطة تقول إن البحث عن الكبار واعتقالهم بزعم أن هؤلاء هم الذين سيؤدون إلي اعتقال صدام حسين هي فكرة خاطئة وغير صحيحة.
وكانت فكرة دارايز تري ضرورة تنحية القوائم والخطط التي اعدها الأمريكيون للوصول إلي مكان صدام خاصة بعد الفشل الذي منيت به هذه الخطط في الفترة الماضية.
وكانت الخطة الجديدة التي وضعها دارايز تقول : إن 'الصيد الثمين' الذي يمكن أن يقود إلي مكان صدام هم قادة الحرس الشخصي والذين لم يتركوه حتي بعد سقوط بغداد.

كانت المؤشرات الأولية التي بدأت تتجمع في اغسطس الماضي تقول إن هناك اشخاصا أكدوا انهم رأوا صدام في جنوب بغداد مرة ورأوه في تكريت مرة وفي عدة مناطق أخري.
وهكذا راح الفريق الجديد للمخابرات الأمريكية في العراق بقيادة 'سوارزكيفان' يجمع خيوطا من المعلومات حول الأشخاص الذين يروون تفاصيل تحركات صدام وكذلك كيفية مشاهدته والأشخاص الذين كانوا يحرسونه.
كانت المخابرات الأمريكية قد جمعت اكثر من 100 صورة نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي00 شخص من الحراس السابقين لصدام، والمرافقين لتحركاته وأقربائه، وكانت هذه الصور يتم عرضها علي الأشخاص الذين يدلون بمعرفتهم لصدام وقربهم منه. وكان السؤال المطروح عليهم هو كيف رأوا صدام؟ وكان السؤال الأكثر الحاحا هو عن الأشخاص الذين يقومون بحراسته ومرافقته وأوصاف هؤلاء الاشخاص والأماكن التي يترددون عليها.
لم تكن المخابرات الأمريكية وحدها التي تواصل عملية البحث عن الرئيس العراقي، كان يعاونها أيضا فريق من الاستخبارات الإسرائيلية مكون من عشرة افراد بمن فيهم رئيس قسم العمليات والاستطلاع بجهاز الموساد.
وهكذا وبعد تحقيقات مكثفة وعرض صور الحراس علي المقبوض عليهم، تأكد لدي المخابرات الأمريكية والإسرائيلية أن صدام لم يبق إلا علي اثنين فقط لحراسته، وأنه استبعد كل الآخرين وقد تطابقت الاوصاف التي ادلي بها هؤلاء عن الحراس مع رؤية بعض الأشخاص للرئيس في تكريت وآخرين عن رؤيتهم له في الرملة وكذلك في كركوك وتحدث المقبوض عليهم عن أن هذين الحارسين كانا من أكثر الذين يثق فيهم الرئيس صدام.
تركزت التحقيقات بعد ذلك في معرفة كافة التفاصيل عن تحركات هذين الشخصين والسعي من أجل القبض عليهما وأسرهما.
وتجمعت المعلومات التي ساعد فيها أفراد من المخابرات العراقية، واستطاع الفريق الأمريكي الإسرائيلي القبض علي واحد من المقربين للرئيس صدام واسمه 'عصامي عبود' في أواخر اغسطس الماضي وجرب معه الأمريكيون والإسرائيليون كافة أساليب التعذيب والقهر النفسي لمعرفة مكان صدام إلا انهم فشلوا في البداية، وتحت ضغوط نفسية وبدنية عنيفة استمرت 18 يوما متصلة اعترف عصامي عبود بأحد المخابئ المهمة لصدام في جنوب بغداد.
وشكل اكتشاف هذا المخبأ نقطة محورية وجوهرية في مسار الخطة الأمريكية التي التزمت بالسرية المطلقة، وقد وجد هذا المخبأ في منطقة مهجورة وأن المخبأ كان يشبه المخبأ الأخير الذي عثر فيه علي الرئيس صدام.
كان المخبأ داخل غرفة ومنها إلي حجرة عميقة، وكانت الحفرة التي تؤدي إلي الحجرة العميقة تبدو وكأنها ضيقة مثل الحفرة التي وجد فيها صدام.
وبناء علي معاينة هذا المكان الذي حرص رجال المخابرات الأمريكية أن يحيطوه بالسرية الكاملة وكذلك دخوله والخروج منه بحذر شديد دون المساس بالمقتنيات التي كانت تبدو في غاية البساطة بداخله أدرك الفريق الأمريكي الإسرائيلي أن يدهم قد اقتربت من صدام.
وأحس رجال الاستخبارات الأمريكية أن صدام يتعامل بذكاء شديد خلال زيارته لهذه المخابئ المهجورة حيث إنه كان يضع علامات دقيقة للتأكد عما إذا كان أحد قد دخل إلي هذه المخابئ أم لا، وكان في اعتقاده وهواجسه الأمنية أن الأمريكيين سينصبون له كمينا في أحد هذه المخابئ.
وقد أكد 'عصامي عبود' خلال التحقيقات أنه ليس لديه علم إلا بثلاثة مخابئ أخري في الرملة وكركوك وجنوب بغداد وبالتالي لم يكن عصامي يعرف شيئا عن مخبأ 'الدور' في تكريت الذي عثر فيه علي صدام حسين فيما بعد.

بدأ الفريق الأمريكي الإسرائيلي يجري متابعة دقيقة ومكثفة للمخابئ الثلاثة التي أشار إليها عصامي عبود، إلا أن المتابعات أكدت أن صدام لم يتردد عليها نهائيا مما جعل القوات الأمريكية التي كانت تراقب هذه المواقع يتأكد لديها أن هذه المخابئ مهجورة، وأن المعلومات التي أدلي بها عصامي ليست دقيقة.
كانت هناك في المقابل وجهة نظر أخري تشير إلي أن هناك عددا آخر من هذه المخابئ وفي مناطق متفرقة من العراق، وأن صدام يستخدمها بالفعل لأنه لم يعد لديه أمل في استخدام مخابئ القصور الرئاسية أو المخابئ الأخري الشهيرة التي تتحمل ضربات القنابل الأكثر شراسة.
كان الجنرال 'آروس بيكومان' أحد أبرز رجال فريق الاستخبارات الاسرائيلية هو أول من أشار إلي ضرورة البحث عن هذه المخابئ داخل تكريت والمناطق المهجورة حولها وخاصة لدي أقربائه، لأن هذه المخابئ من المؤكد أنه سوف يتم حمايتها بأشخاص يثق فيهم صدام كثيرا ويتحرك وسطهم بنوع من الأمان.
وكان التقرير الذي اعده 'آروس' مثار بحث دقيق من الاستخبارات الأمريكية وقيادة الفرقة العسكرية الرابعة التي كانت مكلفة بعملية القبض علي الرئيس صدام وكانت هذه الفرقة قد زودت بعناصر من الكوماندوز الأمريكيين يدعمهم أربعة من الطيارين الكوماندوز الإسرائيليين الذين كانوا سيكلفون باستخدام طائرات أمريكية لضرب السيارات التي ستهرب من موقع القتال في حال ادارة معركة طويلة اثناء عملية القبض علي الرئيس صدام، وذلك بذات الطريقة التي يقومون بها لضرب القيادات الفلسطينية وكوادر المقاومة في الاراضي الفلسطينية خلال تنقلهم بالسيارات.
وقد رأي 'آروس' في تقريره أن المكان الذي سيختبئ فيه صدام لن يثير أي شكوك وأن الحراسة الأمنية ستكون بعيدة عنه، وأن هذه الحراسة ستكون من أقربائه والمحيطين به.
وبناء علي هذا التقرير تم التوجه إلي اعتقال أقارب صدام وأصهاره والحراس الذين كانوا قريبين منه والذين هم من أصول تكريتية.
كان واضحا أن الخطة الأمريكية الجديدة ستقود حتما إلي نتيجة هامة، ولذلك ظلت قاصرة فقط علي بول بريمر والجنرال ريكاردو سانشيز وقائد الفرقة الرابعة والفريق الذي سيقوم بعملية التنفيذ.
كان الأمر يمضي بسرية مطلقة، وبدأت القوات الأمريكية في تنفيذ خطة اعتقال أقارب صدام والحرس المنتمي إلي تكريت بسرية بالغة، وكانت تمارس مع المقبوض عليهم كل وسائل الضغوط النفسية من أجل الاعتراف بمكان صدام، وكان عدد الذين سقطوا من آثار التعذيب وابدوا استعدادهم للتعاون مع القوات الأمريكية خمسة أشخاص في هذا الوقت، ثلاثة منهم من أقارب صدام وواحد من الحرس وآخر من أصهاره.

كان أحد هؤلاء المقبوض عليهم يمت بصلة قرابة مباشرة إلي صدام، كان أحد أخوال صدام قد مرض مرضا شديدا، وعلم صدام بهذا المرض فقام في وقت متأخر من مساء أحد هذه الأيام بزيارتين إلي خاله، وكان صدام يتحرك بثقة بالغة، حتي انه في آخر زيارة أخذ معه ابن قريبه إلي أحد مخابئه واعطاه خمسة آلاف دولار لاستكمال علاج والده.
وكانت الفاجعة أن جري القبض علي هذا الابن في اليوم التالي والذي يبلغ عمره حوالي 35 عاما.
مارست القوات الأمريكية ضغوطا شديدة علي هذا الشاب وعرضته لتعذيب نفسي وبدني رهيب حتي يعترف علي المخبأ الذي يتواجد فيه صدام .. وفي اليوم التالي كان الشاب يعترف، حيث أخذهم إلي أحد المواقع المعينة وأشار إلي منزل من طابقين وأكد لهم انه ظل خارج هذا المنزل عندما قام بتوصيل الرئيس صدام وتسلم منه مبلغ الخمسة آلاف دولار.
وقد داهمت القوات الأمريكية هذا المنزل وقامت بتفتيشه تفتيشا دقيقا استمر لثلاثة أيام في أكتوبر الماضي، وانتهي الأمر إلي اكتشاف مخبأ مهم في هذا المنزل، وكان المخبأ يشير إلي وجود حفرة تؤدي إلي اتساع نحو حجرة يمكن ان ينام فيها شخص ومن أعلي كانت الحفرة مغطاة بالحشائش.
وقد عثر رجال الفرقة الرابعة علي آثار حديثة للأكل وآثار أخري تدل علي أن صدام يعتاد الاقامة في هذا المنزل، وكان ذلك كفيلا بأن يؤكد للأمريكيين والإسرائيليين أن الصيد الثمين اقترب.
في سرية تامة تم نصب عدة أكمنة من أجل الالتفاف حوله والقبض عليه، وقد استمرت هذه المراقبة لمدة أسبوع دون أن تسفر عن شيء.
كان لدي رجال الاستخبارات الأمريكية شك بأن صدام ربما أخذ علما بالهجوم الأمريكي علي هذا المخبأ، خاصة أن صدام لديه رجاله وهو إذا عرف أن الأمريكيين هاجموا موقعا فهو لا يزوره أبدا مرة أخري.
وفي اليوم الثامن من مراقبة المنزل كانت المفاجأة، اقترب أحد حراس صدام وكان من أقربائه من المنزل، كان هذا الشخص يبدو أنه مكلف من صدام لاستطلاع المنزل والتأكد من أمنه، دخل هذا الشخص إلي المنزل بعد أن تأكد من عدم وجود أحد خلفه، ثم اختفي عن الأنظار.
في هذه اللحظة كان هناك رأيان يتصارعان لدي أوساط الفرقة الرابعة، رأي يقول بالقبض علي هذا الشخص وإجباره علي الاعتراف بمكان صدام الذي يختبئ فيه .. ورأي آخر كان يري أن يترك هذا الشخص ويتابع للوصول إلي المكان الذي يختبئ فيه صدام في الوقت الحالي.
وبسرعة البرق تم ترجيح وجهة النظر الأولي فتم القبض علي هذا الشخص، وأمام التعذيب الرهيب والتهديد بالقتل بطرق شنيعة انهار هذا الحارس بسرعة كبيرة واعترف بأن صدام سيأتي إلي مخبئه في هذا المكان بعد وقت قصير للغاية.
نقطة أخري ساعدت علي تحديد المنطقة التي يتردد عليها صدام حسين، فقد استخدمت الفرقة الرابعة أحدث أجهزة التقاط الاتصالات السلكية واللاسلكية، وأن هذه الأجهزة تم نشرها في مساحة تقدر بأربعة كيلو مترات حول المنطقة التي يمكن أن يتواجد فيها صدام، وأن نوعيات هذه الأجهزة الحديثة تم استخدامها في وقت سابق بأفغانستان وحققت نجاحات كبري أثرت علي شبكة الاتصالات لتنظيم القاعدة حتي ان قيادات القاعدة تخلت تماما عن الاتصالات بالمحمول أو التليفون الثابت.
وقد رصدت الاستخبارات الأمريكية اتصالا خارجيا يعتقد أن صدام اجراه مع شخص ما من مكان ما في المنطقة ومن داخل سيارة متحركة وهو أمر أكد للأمريكيين وجود صدام في هذا المكان .. وان الذي جزم بأن هذا هو صوت صدام كان طارق عزيز والذي أخبر أيضا أن الطرف الآخر في الاتصال هو زوجته التي كانت تناديه باسم 'أبو عدنان' وأن الاتصال استمر حوالي 10 دقائق.

لم يكن هناك متسع من الوقت لدي صدام فقد كان هو الآخر علي مقربة من المكان ويبدو أنه شعربالخطر من المكان الذي كان يختبئ فيه قبل وصوله، لذلك مضي إلي مخبئه ظنا منه أن حارسه يعد المكان .. ولم تكن لديه فكرة ان هذا الشخص قد ألقي القبض عليه من القوات الأمريكية، وإلا لاتجه إلي مكان آخر.
دخل صدام إلي المنزل ومعه اثنان من حراسه، وحاول الشخص المقبوض عليه والذي يكن حبا كبيرا للرئيس صدام أن يضلل الأمريكيين بعيدا عن الحفرة، إلا أن القوات الأمريكية كانت قد توصلت إلي كل المعلومات من قبل حول الحفرة التي تؤدي للغرفة.
في هذه اللحظة تأكد قائد العملية الأمريكية انهم فعلا في طريقهم للقبض علي صدام، كان ذلك في أكتوبر وبدا القائد الأمريكي امام احتمالين:
الأول أن يكون صدام محصنا بحراسة قوية وأن يدخل الجنود في معركة قوية وواسعة وهو أمر قد تترتب عليه خسائر فادحة في صفوف قواتهم.
الثاني أن يكون صدام وحيدا مع حارسيه كما أكد ذلك الشخص الذي ألقي القبض عليه.
كان الأهم من وجهة نظرهم هو القبض علي صدام وعدم تمكينه من الهروب حتي لو أدي الأمر إلي قتله.

كانت الفكرة جهنمية، طرحها واحد من قادة الفريق الأمريكي لماذا لانلقي القبض عليه بواسطة هذا الشخص، انتبه قائد العملية للأمر وتساءل بلهفة.. كيف؟!
كان صدام قد كلف هذا الشخص باحضار كميات من الطعام حسب اعترافات الحارس للقوات الأمريكية له ولاثنين من مرافقيه، هنا كانت الفكرة، قامت القوات الأمريكية بشراء الطعام المطلوب وتم حقنه بمواد مخدرة تؤدي إلي النوم العميق.
بعد وقت قصير قام هذا الشخص الذي كان يسير وفقا للرغبات الأمريكية بحمل الأطعمة التي كلف بشرائها، دخل المنزل، اعطي الاطعمة لواحد من مرافقي صدام الشخصيين وهم بالانصراف العاجل مدعيا وجود أمر طارئ له في المنزل وانه سيعود ليلا.
بعد نحو ساعتين من تناول الاطعمة، كانت المخابرات الأمريكية قد بدأت في استحضار أجهزة حديثة تأكد من خلالها الأمريكيون أن الاطعمة تم تناولها بالفعل.. وعلي الفور قامت القوات الأمريكية بمهاجمة المنزل حيث وجدوا الجميع في حالة نوم عميق، فقد كانت الأطعمة مخدرة بنسبة عالية.
كان هناك مصور بكاميرا للفيديو وأخري للتصوير يقوم بالتقاط المشاهد خطوة بخطوة.
ثم حمل الثلاثة 'صدام ومرافقاه' وهم في حالة نوم عميق، الآن تأكد قائد الفرقة الرابعة أن من ألقي القبض عليه هو صدام حسين بالفعل .. جري التكتم علي الأمر وأبلغ بريمر وسانشيز، الكل في حالة ذهول.
وعلي الفور جري ابلاغ رامسفيلد، الذي ابلغ الرئيس بوش بدوره وتم الاتفاق علي أن يقوم بريمر وبعض القادة العسكريين باصطحاب صدام إلي واشنطن وعدم الاعلان نهائيا عن عملية القبض بل إن بوش طلب منهم اطلاق التصريحات التي تؤكد صعوبة العثور علي صدام حسين، من هنا كانت تصريحات بريمر وسانشيز وقادة آخرين كانوا يرددون دوما أن البحث عن صدام كالبحث عن إبرة وسط كومة من القش.
يومها أبدي المراقبون دهشتهم من معني وفحوي هذه التصريحات إلا أن كافة التحليلات قادت إلي رؤية واحدة تقول إن القوات الأمريكية غير قادرة علي الإيقاع بالرئيس العراقي، وإن اليأس اصابها من ندرة المعلومات وإن الرجل تاه وسط الزحام وأصبح العثور عليه هو بالفعل كمن يبحث عن إبرة في كومة من القش!!

الآن وصلت الطائرة التي تقل بريمر ومعه صدام حسين إلي واشنطن.. تم اصطحاب صدام حسين في سرية بالغة إلي مكان ما داخل العاصمة الأمريكية.
كان بوش يريد أن يري صدام ذليلا راكعا قبل الاعلان عن خبر اعتقاله، وهذا هو السر الحقيقي في اصطحاب صدام إلي الولايات المتحدة.
كان رامسفيلد هو الذي طلب من رجاله في العراق أن يأتوا بصدام حسين إلي واشنطن بأقصي سرعة.
ومنذ القبض علي صدام الذي رحل في سرية إلي زنزانة معزولة بالقرب من مطار بغداد قبل السفر إلي واشنطن وهو يحصل علي جرعات مكثفة من الحقن المخدرة التي تذهب بالعقل في بعض الأحيان تجعل من يتعاطاها يدخل في نوم عميق لفترات طويلة.
كانت هذه الحقن المخدرة تحتوي علي خلطة من الهيروين والكوكايين بالاضافة إلي مواد كيماوية أخري والمدهش أن هذه المادة المخدرة ليست من انتاج المخابرات الأمريكية وانما هي انتاج إسرائيلي صرف، وأن المخابرات الإسرائيلية درجت علي استخدامها مع القادة الفلسطينيين الذين يتم القاء القبض عليهم واستجوابهم.
كانت الجرعات المكثفة رهيبة ومؤثرة للغاية، فبعد أن يسلم المتعاطي نفسه للنوم العميق عندما يصحو يشعر أنه مسلوب الارادة وغير قادر علي تذكر الأحداث، كما أنها تشيع التفاؤل لدي الشخص فيتحدث وكأنه مع أصدقائه ومعارفه أما الشخص الذي يعتاد علي هذا الحقن التي تسمي 'سيراكس' فهو علي استعداد لأن يفعل أي شيء مقابل الحصول علي جرعة منها، وأن الأمريكيين بدءوا في استخدام هذا النوع من الحقن منذ اللحظة الأولي لاعتقال صدام.

ثمة سؤال يطرح نفسه عليك الآن عزيزي القارئ: وما الذي دفع الادارة الأمريكية أن تتأخر في اعلان نبأ القبض كل هذا الوقت؟.
كانت الرؤية في البداية أن يدعو الرئيس بوش إلي مؤتمر صحفي عالمي في البيت الأبيض وبجواره بريمر يعلن فيه عن خبر اعتقال صدام.
وفي هذا المؤتمر كانت هناك مفاجأة من النوع الثقيل تذكرنا بمفاجآت 'رامبو' الهوليودية، فخلال المؤتمر وفي ذروته كان بوش سيقدم للعالم مفاجأة من النوع الثقيل 'صدام حسين داخل قفص حديدي'.
وكان الذين سيقومون بأداء هذا المشهد هم جنود الوحدة الرابعة مشاة بالإضافة إلي قائد العملية الذين نفذوا الخطة ونجحوا في إلقاء القبض علي صدام حسين.
وكان بوش ينوي أن يقدمهم فردا فردا إلي الرأي العام خلال مؤتمره الصحفي، وأن يكون صدام داخل القفص الحديدي مخدرا إلي حد سلب ارادته تماما.
كان هذا هو التخطيط الأولي الذي طرحه رامسفيلد علي الرئيس جورج بوش، وكان بوش في البداية يبدو مقتنعا بهذا السيناريو السينمائي المثير وذلك حتي تظهر أمريكا امام العالم وكأنها اليد الأقوي التي انهت اسطورة صدام داخل قفص حديدي.
بعد وصول بريمر إلي العاصمة الأمريكية مصطحبا صدام عقد الرئيس بوش اجتماعا مع مستشاريه ومساعديه في حضور بريمر وقيادات الأمن القومي والقيادات العسكرية في العراق وشارك في هذا الاجتماع رامسفيلد ورايس وباول.
كانت كونداليزا رايس مستشارة الأمن القومي متحمسة لفكرة دونالد رامسفيلد وزير الدفاع في اظهار القوة الأمريكية وظهور صدام في حديقة البيت الأبيض امام وسائل الاعلام داخل القفص الحديدي.
طلبت كونداليزا رايس أن يجري إعداد مسرح ويتم تغطيته بأغطية من كل جانب علي شكل ستائر، وأنه وبعد عشر دقائق من استرسال بوش في خطابه أمام المؤتمر الصحفي وبجواره بريمر والقائد العسكري سانشيز، يعلن الرئيس الأمريكي لحظة الانتصار الحاسمة باعتقال صدام، وفي هذه اللحظة تحديدا يتم الكشف عن صدام مكبلا داخل القفص الحديدي.
كان كولن باول وزير الخارجية يبدو غير مقتنع بحديث رامسفيلد وكونداليزا رايس، ابدي اعتراضه الشديد علي سيناريو القفص الحديدي واعتبر أن تنفيذ ذلك السيناريو لن يكون موجها ضد صدام وانما رسالة موجهة لكل الشعوب العربية وقال بلهجة غلبت عليها الحدة إن هذا المشهد الذليل لن يقبله العراقيون انفسهم بل حتي اعداء صدام سيرفضونه، وأن ذلك سيؤدي إلي حدوث اضطرابات أمنية بالغة قد تصل إلي حد الثورة في داخل العديد من البلدان العربية.
وتحدث بول بريمر قائد الادارة المدنية الأمريكية في العراق وأيد وجهة نظر كولين باول، وطلب ضرورة مراعاة الحالة النفسية للعراقيين الذين حتي وان اتفقوا علي عدم حبهم لصدام إلا انهم سيرفضون اذلاله إلي هذا الحد.
أما رامسفيلد ورايس فقد كانت وجهة نظرهما أن هذا الإذلال سيؤثر علي معنويات المقاومة العراقية وينال منها وأن ذلك من شأنه أن يدفع كل هذه العناصر إلي القاء السلاح بعد ذلك، وأن هذا هو الذي سيعجل باستقرار الأوضاع علي الساحة العراقية.
هنا تدخل بول بريمر وقال العكس هو الصحيح فمثل هذا الاسلوب سيزيد من حدة المقاومة العراقية وعملياتها الانتحارية ضد الأمريكيين، وأن الجنود الأمريكيين اذا كانوا مستهدفين بنسبة 50 % من افراد الشعب العراقي فإنهم سيكونون مستهدفين بعد هذا الاعلان بنسبة تفوق 90 % .
وقد أيد أحد قادة القوات الأمريكية في العراق ما طرحه بول بريمر وقال إن الأوضاع معقدة للغاية في العراق وإنه إذا كان صدام مسئولا عن جزء من المقاومة إلا أنه لا يمثل الفصيل الرئيسي في هذه المقاومة المتشعبة، وإن صدام لم يعد ذلك الرجل القوي الذي تخشاه القوات الأمريكية في العراق، كما أن انصاره مشتتون وليسوا عناصر قوية.
ورأي باول أن ذلك الطرح يعبر عن وجهة نظر سليمة وأن المهم الآن هو كيفية الاستفادة من هذا الشخص يقصد صدام ليجيب عن كل الأسئلة الأمريكية الحائرة.
واقترح باول في هذا الاطار أن يتم تأجيل الاعلان نهائيا عن اعتقال صدام، بل وأن يتصرف بول بريمر وكل المعنيين علي أنهم مازالوا يبحثون عن صدام حتي تنتهي المخابرات الأمريكية بالتعاون مع الأمن القومي تماما من التحقيقات مع صدام، علي ان تبقي هذه التحقيقات سرية ودون اعلان.
كانت وجهة نظر 'باول' مفاجأة للجميع، وبعد أن اسهب في شرح المبررات انضمت اغلب القيادات العسكرية التي حضرت هذا الاجتماع إلي ما طرحه كولن باول.
وقد أيد بول بريمر بدوره وجاهة هذا الرأي وقال إنه بعد الاعلان عن اعتقال صدام فإن العراقيين وكل الدول العربية سيرفضون أن يتحرك صدام بعيدا عن العراق، وأنه اذا أعلن انه سافر إلي واشنطن للتحقيق معه فسنواجه بضغوط دولية مكثفة من أجل الاعلان عن نتائج هذه التحقيقات أو المطالبة بأن يتولي هذه التحقيقات العراقيون انفسهم، الذين سيرفضون بدورهم أن تجري محاكمة صدام في داخل الأراضي الأمريكية.
فيما رأي آخرون أن عدم الاعلان عن اعتقال صدام سيوفر الهدوء للاجهزة الأمريكية في الحصول علي اعترافات مهمة من صدام خاصة فيما يتعلق بامكانات وجود أسلحة دمار شامل أو خريطة المقاومة العراقية وأسرار أخري عن علاقته بعدد من الملوك والرؤساء العرب وبعض قادة دول العالم وكذلك مصادر تمويل الأسلحة العراقية في وقت الحظر الذي كان مفروضا علي العراق، وأيضا صلة صدام بقادة الدول الأوربية وخريطة مبتكرات وتطورات الأسلحة البيولوجية العراقية وغير ذلك من الموضوعات الهامة التي يجب اغلاقها نهائيا قبل الإعلان عن اعتقال صدام.
وكان من رأيهم أن يتم التحقيق معه من الآن داخل الولايات المتحدة ثم يعاد مرة أخري إلي العراق ليتم الإعلان عن اعتقاله من هناك.
وتطرق حديث القادة مع الرئيس الأمريكي حول مغزي الإعلان عن اعتقال صدام أو تأجيله علي عمليات المقاومة العراقية حيث كان رامسفيلد وكونداليزارايس يريان أن الإعلان سيؤدي إلي خفض حدة العمليات العسكرية وأن المقاومة العراقية يمكن أن تتوقف أو تستسلم للقوات الأمريكية، وأن هذا سيمهد الطريق للاستقرار السياسي في العراق إلا أن ديك تشيني نائب الرئيس والآخرين رفضوا هذه الرؤية لأن الإعلان عن اعتقال صدام سيعطي الفرصة لقادة المقاومة العراقية للهروب من الأراضي العراقية، بل إن إبقاء خبر اعتقاله سرا سيمكن القوات الأمريكية من اعتقال كافة عناصر وقيادات المقاومة العراقية التي تبدي تعاونا ملحوظا مع صدام.
وعبر هذا الفريق عن وجهة نظره بأنه وبعد انتهاء عمليات المقاومة فإن الجيش الأمريكي في حاجة إلي المزيد من الضبط والحرص الأمني، وكل ذلك يستوجب فترة لإعادة ترتيب الوقت.
وبعد نقاش طويل اقتنع الرئيس بوش بوجهة النظر تلك ووافق علي تأجيل الإعلان عن القبض علي صدام حسين.
في هذه الفترة منذ القبض عليه وحتي قبيل نبأ الإعلان بقليل في 14 ديسمبر كانت قد مضت عدة أسابيع خضع فيها الرئيس العراقي لتحقيقات مطولة ومكثفة مع عناصر المخابرات الأمريكية التي قامت بنقله إلي أحدث مراكز المخابرات الأمريكية في فرجينيا، وأدخل لعدة مرات علي أجهزة الكشف عن الكذب.
ورغم كافة الاجراءات والضغوط والحقن المخدرة فإن صدام لم يبد أي نوع من التعاون مع فرق المحققين الأمريكيين الذين توالوا عليه صباحا ومساء.
جربوا معه كل أنواع الضغوط النفسية والاغراءات الأخري من أجل انتزاع المعلومات، إلا أن إجابة صدام علي كافة التساؤلات كانت مقتضبة وتتميز بالحدة في كثير من الأحيان وكثيرا ما كان يصف محققيه بأنهم جبناء وأنذال وأنهم محتلون ليس للعراق فقط، ولكن لكل العالم، وكان دائما ما يتوعدهم بضربات قاتلة سوف يسددها إليهم العراقيون.
سأله المحققون صراحة عن بعض المواد الأمريكية التي تسلمها أثناء الحرب الإيرانية العراقية والتي كانت مخصصة لإنتاج أسلحة دمار شامل، إلا أن صدام أكد لهم أن هذه المواد لم يعد لها أثر منذ انتهاء الحرب مع ايران.. وقد رفض صدام الإجابة علي التساؤلات المرتبطة بالأوضاع الداخلية في العراق أو الشخصيات القوية التي يمكن أن تعتمد عليها الولايات المتحدة في داخل العراق أو تلك التي لاتزال تتعاون معه.
وكانت أكثر الضغوط التي مورست علي صدام نفسيا هي تلك التي أرادوا من خلالها الحصول علي إجابة واضحة عن المكان الذي يحتفظ فيه بمعدات الجيش العراقي ودباباته التي تزيد علي ألفي دبابة ومئات الطائرات التي اختفت فجأة، والكثير من الأسرار الأخري المرتبطة بالتشكيلات العراقية.
كان صدام يرفض بإصرار فحاولوا اغراءه بإبدائهم الاستعداد للإفراج عنه والعيش سرا في أمريكا دون إعلان إذا ما اعترف صراحة وأقر بمكان هذه الأسلحة والمعدات إلا أن صدام رفض الحديث نهائيا.
كان رامسفيلد يتابع بنفسه مع جورج تينيت رئيس جهاز الاستخبارات الأمريكية وقائع التحقيقات مع صدام حسين وكانا يتساءلان دوما من أين له بكل هذه القوة في الصمود؟ لماذا يرفض التعاون وتقديم المعلومات عن شعب تخلي عنه ورفاق خانوه ومعدات لم تجد نفعا.
حاولوا اقناعه بالحديث عن أسلحة الدمار الشامل وقالوا له إذا انقذت الرئيس بوش من مأزقه فسنوفر لك كل ما تريد.. إن الأمر لن يكلفك شيئا سوي أن تقر بأنك تخلصت من أسلحة الدمار الشامل قبل الحملة الأمريكية علي العراق مباشرة، إلا أن صدام كان يسخر كثيرا من هذه الادعاءات ويقول: لن أجعل بوش يهنأ بانتصار وهمي وكاذب لن أبيع بلدي العراق حتي ولو وقفت وحيدا، وحتي لو خانني كل الرفاق والأصدقاء، بل وحتي لو أعلن الشعب العراقي كله التبرئة مني.
كانت إجاباته مذهلة وكان صموده أسطوريا لذلك لم يتردد دونالد رامسفيلد لأن يخرج في أكثر من تصريح بعد إعلان القبض علي صدام ليقول إنه شخص غير متعاون ولايزال يتمسك بكل مواقفه، وهو ما كرره أيضا أعضاء مجلس الحكم الانتقالي الذين التقوه في أعقاب القبض عليه بقليل.

بعد حوالي الشهر تقريبا أعادوا صدام إلي العراق مجددا جاء علي متن طائرة خاصة وحوله عدد من كبار ضباط ال'سي.آي.إيه' والفرقة الرابعة الأمريكية مشاة وعدد من الخبراء الأمنيين الإسرائيليين.
بعدها بقليل قرر ُورج بوش أن يزور العراق سرا بعد أن ادرك ان الأوضاع الأمنية تتجه ظاهرا إلي الاستقرار باعتقال صدام حسين، فكانت نشوته واضحة، لكنه لم يرد أن يعلن نبأ القبض علي صدام في هذا الوقت، ولحين اتمام المهمة كاملة حسب الاتفاق.
لقد كان ملحوظا بدرجة كبيرة أن الزيارة المفاجئة التي قام بها بول بريمر إلي واشنطن يوم الاثنين العاشر من نوفمبر الماضي، أي قبل ما يقارب الستة أسابيع من الآن مرتبطة ببحث موضوع صدام، حيث التقي فور وصوله مع الرئيس الأمريكي جورج بوش وكبار مسئولي الأمن القومي علي الرغم من أنه، ووفقا لتصريح أدلي به مسئول رفيع في وزارة الدفاع الأمريكية 'البنتاجون' فقد كان من المقرر أن يوجز بريمر للإدارة الأمريكية، وعبر الهاتف الخطط المتعلقة بما وصف تحريك مجلس الحكم العراقي قدما، وأضاف مسئول البنتاجون قوله: 'إن بريمر أراد بشكل ما أن يقضي وقتا أكثر مع رامسفيلد الذي كان من المقرر أن يغادر واشنطن آنذاك في جولة آسيوية.
ويبدو أن مرور فترة زمنية كافية علي اعتقال صدام، واستمرار هجمات المقاومة في تصاعدها بالرغم من ذلك هو الذي دفع بول بريمر لأن يدلي بتصريحات في الخامس من ديسمبر الجاري يتوقع فيها تزايد الهجمات ضد القوات الأمريكية، حيث تزامنت تلك التصريحات مع قيام وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد بزيارة مفاجئة للعراق.
وبعد ثلاثة أيام فقط من تصريحات بريمر كان الجنرال ريكاردو سانشيز قائد القوات الأمريكية في العراق يدلي بتصريحات يقول فيها: إن اعتقال أو قتل الرئيس العراقي صدام حسين لن يضع حدا لهجمات المقاومة العراقية.
مضت الأيام ثقيلة، بول بريمر ينتظر لحظة الإعلان بفارغ الصبر وجاءت الساعة وكان الإعلان الذي قدم فيه شريط ال÷يديو الخاص بعملية القبض علي صدام حسين.
ويبدو أن نشوة النصر جعلت الأمريكيين يكشفون وعن غير قصد عن كذب الرواية التي رووها عن عملية اعتقال صدام حسين.
فبعد مضي كل تلك الفترة من القبض علي صدام كانت أمور كثيرة قد تغيرت ولكنهم نسوا أن يقوموا بتجديد الصور التي أخذوها أثناء اعتقال الرئيس العراقي .. وجاءت الصور التي اذيعت علي شاشات الفضائيات لتكشف حقائق المسكوت عنه في عملية القبض والاعتقال.
كانت البداية هي البلح الأصفر الذي دللت عليه الصورة التي التقطت للمنزل والحديقة والأماكن المجاورة، إن كل من تابعوا مشهد الفيلم الذي تمت إذاعته ودققوا النظر في هذه الصورة تساءلوا عن هذا البلح الأصفر ومعناه خاصة ان أمريكا تعلن ان عملية القبض تمت مساء 14 ديسمبر، فهل هناك بلح أصفر في 14 ديسمبر؟!
إن كل من يعرفون العراق يعرفون ان البلح الأصفر يظهر في الفترة من يوليو إلي أكتوبر من كل عام، ثم يختفي بعد ذلك ولذلك كان هذا الأمر هو الدليل الأول، بل والحاسم الذي يكشف عن كذب الرواية الأمريكية في الصميم.
وهناك أيضا الصور التي تم بثها للرئيس صدام حسين والتي بدا فيها الرئيس ذا شعر طويل، غير مهذب ولحية طويلة غير منظمة، حيث كشفت الصور عن قيام الأمريكيين بصبغ شعر رأس صدام باللون الأسود واختفاء الشيب تماما في حين انهم لم يراعوا ذلك بالنسبة للحيته.
فظهر فيها الشيب واضحا وتساءل الناس عن معني وجود شعر للرأس بلا شيب بينما شعر للحية يبدو فيه الشيب واضحا ناهيك عن بقية المشاهد التي جري سردها.

بقي أخيرا القول إن قضية صدام حسين تحولت إلي مأزق يواجه الرئيس الأمريكي، هكذا تحدث أحد المحللين الاستراتيجيين، فالرئيس الذي ظن ان القبض علي صدام يمكن ان يساعد في انقاذ شعبيته المتدهورة في الداخل الأمريكي وجد نفسه أمام السؤال الكبير: ماذا يفعل وكيف يتصرف إزاء صدام حسين؟
البنتاجون يري بضرورة التخلص من الرئيس العراقي نهائيا وقتله عبر التأثيرات المخدرة، لأن صدام حتي وهو رهن الاعتقال إلا انه مازال يمثل خطرا علي الأمن العالمي خاصة أن لديه معلومات مهمة عن اتصالاته مع الرؤساء الأمريكيين السابقين والعديد من قادة العالم وان هذه الاتصالات لن يتم الكشف عنها لأنها تتضمن العديد من الأسرار التي لا يجوز الاطلاع عليها أو الافصاح عنها في خلال تلك الفترة.
ويري قادة البنتاجون ان صدام يمكن ان يعلن عن هذه الأسرار إذا اتيحت له الفرصة للحديث إلي وسائل الإعلام وان أكثر ما يهم الإدارة الأمريكية هو بعض الاتصالات السرية التي جرت بين بوش الأب وصدام حسين، وكذلك مضمون هذه الاتصالات التي تكشف عن جانب مهم في عملية الغزو العراقي للكويت وان صدام لايزال يحتفظ بهذه الأوراق كأداة ضغط علي الجانب الأمريكي حتي الآن.
ويري البنتاجون ان هذه الوثائق التي لم يعثر علي أي منها في القصور الرئاسية لاتزال تمثل اللغز الأكثر إثارة لدي الجانب الأمريكي الذي يريد الاطلاع عليها، وان الرئيس بوش الابن يريد الحصول علي هذه الوثائق بأي شكل وأن والده يعتبر أن قتل صدام أفضل من الحصول علي هذه الوثائق وكشفها.
وتتخوف الإدارة الأمريكية من ان يكون صدام قد أعطي هذه الوثائق السرية لشخص ثان مازال يحتفظ بها حتي الآن، وان صدام هو فقط المعني بالكشف عن أمر هذه الوثائق.
تلك هي الحقيقة التي تكشف زيف ادعاءات بوش وإدارته، وكذب السيناريو الركيك الذي أعد لإخراج فيلم روائي يكشف مدي جهل وتخلف العقليات التي تقف من ورائه، وتلك التي تسير في فلكه.


الموضوع منقول

تحياتي لكم

نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي