ألمانيا وشهيدة الحجاب.. عبثية التطرف!

- 7/7/2009




لجينيات - أسامة نبيل / الإٍسلام اليوم

صرخت المستشارة الألمانية آنجيلا ميركل وطالَبَتْ بمحاكمة قَتَلَةِ الإيرانية ندى أغا سلطاني، التي سقطتْ خلال احتجاجات بفوز الرئيس محمود أحمدي نجاد.. حينها تَصَوَّرَ العالم أن ميركل تُدَافِعُ عن الحق، وأنها لن تتوانى عن دَعْمِ أصحابه في أي وقت، إلا أنه بمقتل المصرية المحجبة مروة الشربيني زوجةِ المبتعث علوي علي عكاز، لم يسمع أحد لميركل تنديدا أو شَجْبًا بل لم تقدم عزاء .. كأن احتشاد الغرب بسياسييه وقادته خلف ندى كان من أجل مهاجمة طهران، فيما لا تُمَثِّلُ واقعة قتل المصرية المسلمة مروة الشربيني شيئًا ذا بال يستحق التنديد أو الشجب.

ولا شك أن النظرة المحايدة لا تخلي ميركل وحكومتها من تحمل المسئولية الكاملة في مقتل مروة، فالقاتل لُقِّنَ العنصرية والتطرف في مجتمع يرى كثير من أبنائه في المسلمين عدوا، ولن يقدم إنسان على إزهاق روح آخر إلا إذا كان يتحسب أن هذا القتل لن يتجاوز أثر الصخب الذي سيخمد ثم لا ينال عقابا ولا حسابًا، وإن اصطبغ القتل هاهنا بصفة عدائية موغلة في التعصب والتطرف؛ لأن مسوغ القتل وإذهاب الحياة هنا كان الالتزام بالحجاب!

إن المجتمع الغربي مجتمع لامع بشعاراته التي لا تخفت عن الحرية والعدل والمساواة، ومن هنا يحزم الإنسان حقائبه متوجها إليه مستحضرا هذه الصورة من التعايش الحر، والمناخ العادل، والتواصل الذي يقوم على أساس المواطنة في دول ترفع شعار العلمانية، وتدعي احترام خصوصية الإنسان والحفاظ على حقوقه.

ولكن يبدو أن هذه اللوحة البراقة تحمل ألوانا فاقعة لا تخطئها النظرة المجردة من التطرف والحقد الأعمى ضد كل ما هو عربي وإسلامي، وها هو المشهد يكشف عن هذه الحقيقة التي يراد لها أن تغيب في صخب الشعارات والادعاءات..

امرأة مسلمة تصورت أنها في مجتمع حر لن ينابزها، ولن يصدها عن ممارسة حياتها الطبيعية..ولكن هذه الصورة احترقت بطريقة وحشية عندما أطل في المشهد رجل يحمل ميراث أوروبا، وتراثها العدائي، ويدفعها، بل وينهرها ويسبها بأقذع السباب، ويتطور الأمر به إلى سَبِّ دينها واتهامها بـ"الإرهاب"؛ لأنها ترتدي شعاره ، ألا وهو الحجاب!!

والتساؤل الحائر الآن، يقول: هل أخطأت مروة، حينما تخيلت أن الغرب لديه قانون يحكم الأمور، وراحت إلى المحكمة تشتكي حالها وتطالب بالقصاص ممن سبها وتعدى عليها واتهمها بالإرهاب، بينما كان المتطرف القاتل يتخيل أن المحكمة ستشكره على فعلته، لكنها أصدرته حكمها بتغريمه 750 دولار، هي ثمن الإساءة اليسير للإسلام، ولامرأةٍ جاءت من بلاد عربية!

ربما يحمل هذا التصرف دلالاتٍ كثيرةً أبرزها نظرة القوم إلى الإسلام في ذاته، من خلال السلطة القضائية التي تقوم على أساسي العدل والحق، والتي قدرت الإساءة إلى الإسلام، واتهام حاملة له لا تستحق في نظرها أكثر من هذه الدولارات القليلة التي لا تعدو ثمن معطف يستدفئ به الإنسان في شتاء ألمانيا الباردة!

لكن، ورغم ضآلة الغرامة، التي تدل على ضآلة النظرة، والاستخفاف بالإسلام، إلا أن الرجل الذي ترعرع في قارة، لا تخلو ثقافتها من دعائم للعنصرية، لم يعجبه قرار المحكمة، وفي لحظات، وبحماية الشرطة الألمانية أخرج سِكِّينَه من بين طيات ملابسه داخل المحكمة، واعتدى على البراءة في صورة "أم مصطفى"، ودسّ فيها نَصْلَهُ، فلم تقتلها السكين ولكن قتلها حقده وعنصريته وتطرفه، وحينما نظر الزوج إلى رجل الشرطة القريب من الحادث وجده لا يحرك ساكنًا، ومات قلبه، وتسمَّرَ مكانه، كأنه يقول له: هذا حقه، وهذا هو مقداركم عندنا..!

فاندفع الرجل ليحمي زوجته، فأصابه عيار طائش، أو قل أصابته أوروبا كلها –بصمتها وبتلقينها لأهلها العداء للإسلام والمسلمين- فماتت البراءة وتركت مصطفى يواجه مصيره، فيما راح الأب في غيبوبة لثلاثة أيام؛ ليفيق على الصدمة التي لم تكن تخطر له على بال.

"عايزة آخد حق بنتي اللي دمها راح هدر"، بهذه الكلمات بدأت داليا شمس، الكيميائية بمعامل وزارة الصحة المركزية، ووالدة الدكتورة مروة الشربيني، حديثها لجريدة "المصري اليوم" المستقلة، قائلةً: لم يعد لديّ رغبة سوى الانتقام لابنتي وحفيدي مصطفى، الذي لم يُكْمِل عامه الرابع، وأصبح يتيمَ الأم، وحفيدي الثاني الذي كان يعيش في أحشائها، فابنتي مروة كانت حاملًا في شهرها الثالث، وكنا جميعًا سعداء بهذا الخبر، ولم نكن نعلم أنه سيأتي اليوم الذي نشاهد فيه صور مروة على صفحات الجرائد كضحية للإرهاب!

وتأتي تصريحات الأم المكلومة في الوقت الذي أبدى فيه الدكتور هشام العسكري، الأستاذ بقسم الفيزياء في كلية العلوم جامعة الإسكندرية، من أصدقاء عائلة الدكتورة مروة الشربيني، تَخَوُّفَه من المناورات التي يحاول الجانب الألماني بها إغلاق القضية من خلالها، بادعاء أن القاتل مُخْتَلٌّ عقليًّا، دون أن يتعرض إلى الإهمال الأمني في قاعة المحكمة، أو التعصب ضد الحجاب والدين الإسلامي.

لعل غضب الأم ومخاوف الدكتور العسكري، يَقِلُّ أهميةً عن أقوال الزوج الدكتور علوي علي عكاز، الذي قال عقب إفاقته من الغيبوبة: إن أحدًا من الشرطة أو هيئة المحكمة أو الادعاء لم يتدخل لوقف الجاني عن طعن زوجته، وعندما تدخل هو تلقى 3 طعنات في الكبد والرئة، كما أثبتت الفحوص الطبية".

لكنّ أخطر ما ورد في أقوال الزوج علوي، هو أن ضابط البوليس الألماني الْمُكَلَّف بالحراسة، وجَّهَ نظره إليه "أي علوي" بينما كان يتصدى للجاني ويتلقى طعناته، ثم أطلق عليه الرصاص عامدًا متعمدًا.

فيما قال طارق الشربيني شقيق المجني عليها لصحيفة "الشروق" المصرية: إن الجاني كان يقيم في المنزل المواجهِ للمنزل الذي كانت تقيم فيه شقيقته وزوجها، مضيفًا: لقد دأب هذا المتطرف العنصري على استفزاز شقيقتي واتهامها بأنها مسلمة إرهابية، ثم تطور الأمر فحاول نَزْعَ حجابها بالقوة أكثرَ من مرة، وفي المرة الثالثة استدعى زوجُها البوليس، وتقدَّم بشكوى رسمية هي التي شكلت أساس القضية التي أدانته فيها المحكمة، وعاقبته بالحبس لمدة شهر، ودَفْعِ تعويض مبدئي قيمته 780 يورو!

وأوضح الشربيني أن سبب قتل شقيقته هو الحجاب، وتابع: "الألمان يتكتَّمُون على الخبر؛ لأنها قُتِلَتْ داخل ساحة المحكمة، ولأن حجابها هو سبب الاعتداء عليها"، مضيفًا: "نحن لا نريد إلا أَخْذَ حقها؛ لأنها لم تقتل إلا بسبب التزامها وتدينها"، مُشِيرًا إلى أنها كانت متدينة وملتزمة بحجابها قبل سفرها إلى ألمانيا.

يبدو أن العنصرية لم تكن فقط ضد الحجاب وكونها امرأة مسلمة؛ إذ تؤكد مصادر أن الزوج أيضًا كان مستهدفًا، وأن الأمر كله كان مُدَبَّرًا، وتعتمد هذه الرواية على إطلاق الأعيرة النارية على الدكتور علي، مشيرةً إلى أنها ليست عيارًا طائشًا، بالإضافة لتجاهل وزارة العدل الألمانية للحادث، دون أن تُعِير للقضاء اهتمامًا، فيما لم يستبعد الدكتور إبراهيم عبد المقصود، العميد السابق لمعهد بحوث الهندسة الوراثية والتكنولوجيا الحيوية بجامعة المنوفية، وجودَ أي شبهة جنائية مقصودة لاغتيال الدكتور علوي، وأوضح أن علوي من خلال مجال تخصُّصِه قادِرٌ على إحداث طفرة تكنولوجية في مجال الدواء، وحل مشاكل عديدة تكفي لإنتاج دواء مصري ينافس الشركات العالمية، وأضاف: إنه لا يُعْقَلُ أنْ تَتِمَّ إصابة علوي بعيار طائش في الوقت الذي قُتِلَتْ فيه زوجته الصيدلانية مروة الشربيني بسلاح أبيض.

وقد كان التناول الإعلامي لهذا الحادث باهتا، بحصره في نطاق ضيق، وأسلوب فردي، لا يمثل الجماعة الألمانية، مما يُؤَكِّدُ على غياب الطرح الموضوعي، البريء من الانحياز أو الإغفال، فلو كان الحادث في دولة عربية لكان للميديا مرير عن الحريات، ولصخبت برامج التوك شو وغيرها في تناول الأمر واستعراض خلفياته، ولكن يبدو أن الحرية في الممارسات الغربية لا تعني إلا الحرية في تطبيق هذه الحرية وقتما أرادوا أو قمعها وقتما أرادوا أيضًا!